الرضاعة
وهذه القداسة نفسها للعلاقات الرضاعیة أیضا۔ یقول الأستاذ الإمام أمین أحسن الإصلاحي في توضیح ذلك۔
’’إن الناس عندنا لایعیرون أهمیة ومعنی عمیقا للرضاعة مثل ما تعیرها العرب من معنی كبیروالمكانة الكبيرة ،وباعثها هو باعث التقالید، وإلا فإن العلاقة الرضاعیة لها عمق وتاثیر كبیر مثل عمق وتاثیر الأمومة، فإن الطفل الذي یتغذی من لبن إمرأة تحتضنه وتعطیه ثدییها تصیر له نصف أم علی الأقل إن لم هو أما حقیقیة. فكیف یمكن لطفل أن لاتتاثر مشاعره وعواطفه بالمرأة التي تتدفق حلیبها في عروقه؟ فإذا لم تتأثر فهذا لیس صنیعا طبیعیا بل هو تشویه للطبیعة والإسلام كدین للفطرة قد جاء لإصلاح هذا الفساد۔‘‘ (تدبر القرآن: ٢/ ٢٧٥)
وكیف تقوم هذه العلاقة برضعة الطفل؟ یفسر ذلك الأستاذ أمین أحسن ویقول:
’’ولا تقوم هذه العلاقة الرضاعیة بحدث صادف، بل القرآن قد بین ذلك في سیاق یتضح منه اتضاحا تاماً أن عملیة الرضع لاتتم بحدث صادف بل تتم باهتمام هادف فیعتبر وإلا لا. فقد أوّل القرآن بقوله ’’وأمهاتكم اللائي أرضعنكم وثنّی باستعمال صیغة الإرضاع” وأخواتكم من الرضاعة “وأرضعنكم والإرضاع هو من باب الإفعال الذي یفید مفهوم المبالغة والاهتمام، ولفظة الرضاعة تابی أن تتم الرضاعة بمحض الصدفة مثلاً إذا كان هناك طفل جایع یبكي وامرأة تضع ثدیها علی فمه لتسلیته فيكون رضعا‘‘ (تدبر القرآن ٢/ ٢٧٥)
وقد رویت عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلی الله علیه وسلم قال: إن رضعة أو رضعتان لا تحرم (رواه مسلم، رقم: ٣٥٩۰) وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلی الله علیه وسلم دخل علیها وعندها رجل فكأنه تغیر وجهه كأنه كره ذلك فقالت إنه أخي من الرضاعة فقال: انظرن من اخوانكن فإنما الرضاعة من المجاعة۔ (رواه البخاري، رقم: ٥١۰٢، ومسلم، رقم: ٣٦۰٦)
ولاینبغي أن نقع في الخطأ بما وقع لسالم الذي تتبناه أبو حذیفة من الرضاع في كبره، والأمر الذي یعلم منه علی الأكثر من ذلك هو أن أسرة وقعت في ضیق مما جاء في القرآن من حكم الأولاد المتبنین. فأعطی الرسول رخصة لهذه الأسرة مخرجاً من ذلك الضیق ولا یتأسس علیها حكم مستقل: وهو كما یأتي:
’’فجاءت سهلة بنت سهیل بن عمرو القرشي ثم العامري، وهي إمرأة أبي حذیفة، فقالت: یا رسول الله إنا كنا نریٰ سالماً ولداً وكان یأوي معي ومع أبي حذیفة في بیت واحد ویراني فضلا، وقد أنزل الله فیهم ما قد علمت، فكیف تری فیه؟ فقال لها النبي صلی الله علیه وسلم أرضعیه۔‘‘ (أبوداؤد: ٢۰٦١)
فهذا قطعي أنه لابد لثبوت الرضاعة من اهتمام لها أولاً وثانیاً أن تتم الرضاعة في عمرها وكذلك تحرم من الرضاعة مایحرم من النسب، هذا مایتقاضاه القرآن، لكن الأسلوب العربي الذي استخدمه هنا القرآن أن ما توضحه دلالة الألفاظ والقرائن ومقتضیات الحكم العقلیة تلقائیا ،لایُعرب به بالألفاظ صراحتاً. (انظر للاستزادة في ذلك فصل ’’الأصول والمبادئ‘‘ لهذا الكتاب نفسه)۔ فقد قال: وأمهاتكم اللآتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة فذكر الأخوات أیضا مع الأمهات في حكم التحریم، فإن انتهی الحكم بالحكم علی الأمهات فقط ولم یجمع إلیها الأخوات لما كان هناك سعة لأیة إضافة في الحكم،ولكنه إذا كانت العلاقة الرضاعیة تحرم الأخوات مع الأمهات فیقتضي العقل أن تمتد الحرمة إلی العلاقات الأخری المتصلة بالأم، لأنه إذا كانت المشاركة في اللبن تجعل امرأة اختاً له فلماذا لاتجعل أخت الأم الرضاعة خالة وزوجها أبا واخت الزوج عمة وحفیدتها للأم والأب ابنة الأخ وابنة الأخت؟ فهذه العلاقات كلها حرام، هذا ما أراده القرآن وتدل علیه الفاظ القرآن بحیث لایخفی ذلك علی كل من یتدبر في القرآن، وبناءً علی ذلك قال النبي صلی الله علیه وسلم:
یحرم من الرضاعة ما یحرم من الولادة۔ (رواه المؤطا، رقم: ١٨٨٧)