سادساً- شريعة الجهاد (التشريع الدولي)
لا ريب في أنّ السلام والحرية هما مطلبان أساسيان لكلّ مجتمع، وبينما تساعد الإجراءات العقابية على حماية المجتمع من شرور الأفراد وتجاوزاتهم، فإنّ اللجوء إلى الحلول العسكرية يصبح ضرورياً في بعض الأحيان لكبح جِماح الشرور التي ترتكبها البلدان والأمم. ولا يرغب أحد في استخدام القوة لحلّ الخلافات ما دامت الدبلوماسية والتفاوض قادرين على أداء هذا الغرض. ولكن إذا صدر من إحدى الأمم أو الدول تهديد للسلم العالمي، وانتهاك لحرية الشعوب، وتجاوز غرورُها وصَلَفها كلَّ الحدود، ولم يعد بالإمكان إعادتها إلى جادة الصواب عبر التشاور والنُّصح، فإنّه يصبح من حقّ المجتمع الدولي أن يستعين بالقوة لإيقاف نشاطاتها الهدّامة حتى يُستعاد السلم والحرية. ويؤكد القرآن أنه لو لم يُسمح باستخدام القوة في مثل هذه الحالات، لكانت الفوضى التي أحدثتها الأمم المارقة سبباً في هجر دور العبادة التي يُذكَر فيها اسم الله آناء الليل وأطراف النهار، ناهيك عن زعزعة استقرار المجتمع نفسه.
وقد أخذ (الجهاد)33 على عاتقه كما ورد في الشريعة الإسلامية تنفيذ هذه المهمة، إذ ينبغي ألّا يهدف الجهاد إلى إرضاء نزوة، أو حيازة ثروة، أو تهدئة عاطفة أو محاباة، أو عداء، وألّا يستجيب إلى دوافع نرجسية، وإشباع غرور الأنا، لأن ذلك الجهاد هو جهاد الله يتولّى تنفيذه عبادُه بأمرٍ منه ووفق توجيهاته، وهم أنفسهم مجرّد أدوات ووكلاء لمشيئة الخالق، وليس لهم هدف خاصٌّ بهم، بل عليهم فقط إنجاز المهمات التي أوكلها الله إليهم. ولذلك لا يمكنهم أن يحيدوا إطلاقاً عن هذه الوظيفة، والمزيد من التفاصيل ترد في الفقرات التالية:
33. ( الجهاد لغةً هو استفراغ ما في الوسع والجهد والطاقة، وقد ورد هذا التعبير في القرآن للجهاد العام في سبيل الله ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّـهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾. (الحجّ: 78). واصطلاحاً: هو الحرب والقتال في سبيل الله. والمعنى الثاني هو المقصود في هذا الكتاب.
حكم الجهاد.
- حكم الجهاد
أمر الله المسلمين باستخدام القوة بوصفهم أمةً واحدةً، لا بوصفهم أفراداً متفرِّقين هنا وهناك. والآيات التي تتحدث عن العقوبات بأنواعها المختلفة تخاطب المسلمين بهذه الصفة الجماعية لا بوصفهم أفراداً، وقرار الحرب ليس بيد أحد، بل هو بيد الأمة الإسلامية كلّها. ولا يحقّ لأي شخص أو جماعة منهم اتخاذ خطوة فردية في هذا الصدد نيابة عن المسلمين.
هدف الجهاد
- هدف الجهاد
أمر القرآن بالجهاد أصلاً لاجتثاث الاضطهاد الذي يجبر المسلم على التخلي عن دينه (الفتنة)34. ويندرج تحت نطاق الاضطهاد كلُّ أشكال العدوان على الحياة والمال وحرية الرأي والتعبير بدرجات متفاوتة، ولذا يمكن أن يهدف الجهاد إلى إزالة العدوان والظلم مهما اختلفت أنواعه.
34. ) ﴿ إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوانوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق ﴾ (البروج: 10).
متى يصبح الجهاد ملزماً / إلزاميّاً (فرض عين)؟
- متى يكون الجهاد إلزامياً (فرض عين)؟
لا يصبح الجهاد مُلزِماً لكلّ مسلم ما لم تصل قوة المسلمين العسكرية الحدَّ المعيّن الذي يمكن أن يضاهي قوة الأمم الأخرى المعادية لهم. وهكذا فمن الضروري للمسلمين أن يُصلِحوا أنفسهم ويقوّموا أخلاقهم لتحقيق غاية الجهاد، وأن يبنوا -إضافة إلى ما سبق – قوة عسكرية كانت في زمن النبي مُحَمَّد (ص) تصل إلى نسبة (واحد إلى اثنين) من قوة الأعداء، مع الأخذ في الاعتبار الظروف التي أحاطت بذلك.
المشاركة في الجهاد.
- المشاركة في الجهاد
التخلي عن الجهاد إثم يرتكبه المسلم عندما لا يلبّي نداء الحرب في حال قيام الأمة الإسلامية بالتعبئة العامة التي تفرض على كلِّ مسلم مقتدر المشاركة فيها. والإسلام يُؤَثِّم كلَّ من تخلّف عن الجهاد، وينظر إليه نظرته إلى المنافقين. وإذا زالت الظروف التي أوجبت أن يكون الجهاد فرض عين، أصبح فرض كفايةٍ يقوم به مَنَ كان طامعاً بالأجر والثواب، وإن تخلف عنه لا يُعتبر آثماً.
الفرار من المعركة.
- الفرار من المعركة
إنّ الفرار من الجهاد خوفاً وجبناً محرّمٌ تحريماً تامّاً. ولذا وجب على المؤمن ألّا يُظهِرَ أيَّ خَوَرٍ أو وهَن لأنَّه يدلّ على فقدان الثقة بالله، وعلى إيثار الدنيا على الآخرة، ويجعل شؤون الحياة والموت في شكل تبدو معه وكأنّها تدبير بشري، وهو ما يتنافى وصدق الإيمان الذي يرى بأن كلَّ شيء هو من صنع الله.
الحدود الأخلاقية.
- الحدود الأخلاقية
لا يصحّ الجهاد في سبيل الله إذا لم يكن مشفوعاً بقيم أخلاقية يتمسك بها المؤمن في كلِّ الظروف التي يمرّ بها. ولذا نهى الله عن انتهاك الأعراف والمبادئ الخلقية التي يمكن أن تقع في ظروف الحرب القاسية، وأهمُّ ما وجّه الله إليه في هذا السياق هو الوفاء بالعهود والمواثيق لأنّ الحنث بها هو إثم عظيم، وحتّى إذا كان ثمة اتفاقية أو معاهدة بين الدولة الإسلامية وبين أمة أخرى تضطهد المسلمين من مواطنيها وتفتنهم عن دينهم فلا يحقُّ للدولة الإسلامية أن تمدّهم بالعون إذا أدّى ذلك إلى خرق بنود تلك المعاهدة. ومَنْ أراد على نحو مماثل أن يتّخذ من الحرب موقفاً حياديّاً أمكنه ذلك، وليس لأحدٍ أن يضايقه ويزعجه.
ويجب عل الجيش المتّجه إلى أرض المعركة تجنّب استعراض مظاهر الأبّهة والغرور حرباً أو سلماً، ويجب أن يكون التواضع لله علامتهم الفارقة.
المَدَد الإلهي.
- المدد الإلهي
ينطلق المسلمون إلى الحرب وهم متّكلين على الله، واضعين ثقتهم التامّة في نصرته إياهم. وقد أوضح القرآن أن المثابرة الدؤوبة (الصبر) والعزم هي التي تؤهِّل الناس لاستحقاق العون الإلهي (النصرة)، وما من جماعة مسلمة جديرة به إلّا إذا حملت الصفات السابقة.
أسرى الحرب.
- أسرى الحرب
يمكن إطلاق سراح أسرى الحرب مقابل فِدية، ويحثُّ القرآن على عدم قتلهم أو استعبادهم مهما حدث.
غنائم الحرب.
- غنائم الحرب
تدَّخِر خزينة الدولة الإسلامية (بيت المال) غنائم الحرب لتُوزّع على الاحتياجات العامة، ولم ينصّ القرآن على إعطاء المجاهدين أيّ حصة منها ابديا، ما يعني أنّ أجهزة الدولة تملك حرية التصرف بتلك الغنائم حسب ما تقتضيه الظروف.