مقامات الحج والعمرة
وقد قرر الله سبحانه وتعالى أماكن الحج والعمرة شعائر له. فقال: “إن الصفا والمروة من شعائر الله” وهذه جمع لشعيرة وهي ما يعني الرمز. وفي المصطلح يشير إلى تلك الظواهر التي تم تعيينها كعلامة من قِبل الله والرسول للحفاظ على الوعي بحقيقة في العقول. يقول الله تعالى: ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب”(الحج:32)
ونقدم تعريفها فيما يلي:
المواقيت
بالنسبة للقادمين للحج والعمرة، تم تعيين بعض الأماكن على مسافة ما من الحرم، والتي لا يمكنهم تجاوزها بدون الإحرام. ويجب الإحرام بعد الوصول إليهم أو أي مكان قريب منها. وفي المصطلح يطلق عليها الميقاة.
وهذه الأماكن خمسة: ذو الحليفة للقادمين من المدينة المنورة ويلملم للقادمين من اليمن، والحجفة للقادمين من مصر وسوريا، القرن للقادمين من نجد، وذات عرق للقادمين من الشرق.
بيت الله الحرام
إنه نفس المعبد الذي سمي في القرآن باسم “البيت” و “البيت العتيق” و “المسجد الحرام”.(الحج:25-29) لأنه بني مكعباً، ويطلق عليه أيضًا الكعبة. ويقع في مكة المكرمة، أرض الجزيرة العربية. وقد جاء في القرآن لهذه المدينة أيضًا اسم آخر وهو “بكة”، [378](آل عمران:96) وهو ما يعني المكان المأهول. يبلغ ارتفاعه حوالي 277 متراً فوق مستوى سطح البحر وتحيط به الجبال من جميع الجهات. كانت مكة غير مأهولة قبل بلوغ إبراهيم (عليه السلام) هناك. وكانت جرهم قبيلة من العرب القدماء تحكم المنطقة وكانت متجاورة لمكة. وتزوج إسماعيل عليه السلام بفتاة من هذه القبيلة السيدة بنت مضاض.(الروض الأنف للسهيلي 1/471) وبعد وفاة ابنه ثابت، سقطت حكومة هذه المدينة في أيدي هذه القبيلة وحكموها لعدة مئات من السنين. ثم استولى بنو خزاعة وبنو بكر على المدينة. قبل قرن تقريبًا من بعثة النبي، ولما توفي زعيم الخزاعة خليل بن الحبشة، استعادها قصي بن كلاب وقام حكم بني إسماعيل مرة أخرى على المدينة.( السيرة النبوية لابن هشام 1/93-104)
وعندما جاء إبراهيم (عليه السلام) إلى هنا منذ حوالي 4000 عام بأمر من الله، كان بيت الحرم قد سقط بمرور الزمان الطويل ومن جراء الفيضانات ولم يبق له أي أثر. وبإلهام من ربه، اكتشف إبراهيم أسسها القديمة وبمساعدة ابنه إسماعيل، أقام مبنى بلا سقف. (أخبار مكة للأزرقي 1/58-66) كما أن بناء أيديهم المقدسة لم يكن محميًّا من تقلبات الأيام وانهار في النهاية. بعد ذلك، تم بناؤه أولًا من قِبل العمالقة ثم من قِبل قبيلة جرهم. (شرح المواهب اللدنية الزرقاني 1/206) وتهدم بناء جرهم أيضًا بسبب بعض الحوادث ، فقامت قريش مكة ببنائه من جديد. ولكن بسبب نقص رأس المال لم يمكن إنشاء هذا المبنى على الأساس الإبراهيمي الأصلي. وحدث هذا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بخمس سنوات. لذلك شارك أيضًا في أعمال البناء هذه، بل المؤرخون يقولون إنه قد قضى بذكائه الخاص في قرار إعادة تثبيت الحجر الأسود في مقامه. (السيرة النبوية لابن هشام 1/160)
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أعرب في إحدى المناسبات عن رغبته للسيدة عائشة قالت:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (ﷺ) يَقُولُ : لَوْلاَ أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ ( أَوْ قَالَ بِكُفْرٍ ) لأَنْفَقْتُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَجَعَلْتُ بَابَهَا بِالأَرْضِ، وَلأَدْخَلْتُ فِيهَا مِنَ الْحِجْرِ(رواه البخاري رقم 1583-1584ومسلم رقم (3240-3249) أي كان ينوي إقامته على أسسه الإبراهيمية الأصلية.
وكان عبد الله بن الزبير قد هدم المبنى الذي بنته قريش وأعاد بناءه خلال خلافته نظراً إلى إرادة النبي صلى الله عليه وسلم تلك، ولكن عندما رماه الحجاج بالحجارة في الكعبة في الحرب ضده، انهار هذا المبنى أيضًا، وبعد استشهاد ابن الزبير قدهدمه الحجاج بأمر من عبد الملك بن مروان وبناه مرة أخرى على الأساس الذي أنشأته قريش.(مسلم رقم 3245 )
وظل كذلك منذ ذلك الحين.
والحجر الأسود منصوب في زاوية هذا المبنى. وتقع أبعد منه قليلًا زاويته الشمالية التي تسمى بالركن العراقي، والزاوية الغربية من المبنى تسمى بالركن الشامي والزاوية الجنوبية تسمى بالركن اليماني. وتقع بوابة بيت الحرم على ارتفاع مترين عن سطح الجدار، وبينه وبين الحجرالأسود جدار يسمى بالملتزم وهذاهو كأنه عتبة الله التي يلتصق بها الناس ويدعون. ويوجد غطاء مغلوف من القماش الأسود ملقىً على المبنى يتم استبداله كل عام. وقد وضع حجر أبيض في فناء المبنى. ويقال إن إبراهيم (عليه السلام) وقف عليها حين رفع جدران البيت وقواعده.(أخبار مكة للأزرقي 1/ 59).
وعلى مسافة قليلة من هذا الحجر يوجد نبع طبيعي يسمى “زمزم”. وأولئك الذين يأتون لزيارة بيت الحرم يروون عطشهم منه.
حدودها واسعة لعدة كيلومترات حولها، وهي معروفة وثابتة منذ الأزل. وهذه المنطقة كلها تسمى حرام، حيث يحظر إيذاء أي إنسان أو حيوان وحتى النباتات التي تنبت فيها بنفسها. يصف القرآن ذلك بكلمات “حرما أمنا” (القصص:57) و “مثابة للناس وامناً” (البقرة:125) قال النبي صلى الله عليه وسلم:
إن ھذا بلد حرم اللّٰہ یوم خلق السمٰوات والأرض وھو حرام بحرمۃ اللّٰہ إلی یوم القیٰمۃ، وإنہ لم یحل القتال فیہ لأحد قبلي، ولم یحل لي إلا ساعۃ من نھار، فھو حرام بحرمۃ اللّٰہ إلی یوم القیٰمۃ، لا یعضد شوکہ ولا ینفر صیدہ ولا یلتقط لقطتہ إلا من عرفھا، ولا یختلٰی خلاھا.(رواه البخاري، رقم 1834)
الصفا والمروة
هذان جبلان يقعان بالقرب من بيت الله. وقد تمت ذبيحة إسماعيل على أحد من هذه الجبال وهي مروة. وقد برهنها الإمام حميد الدين الفراهي في كتابه “الرأي الصحيح في من هو الذبيح” برهنةً كاملةً. لذلك هذا هو المذبح الواقعي الذي تم تمديده إلى مِنىً من أجل راحة الناس. وتتم الأشواط في الطواف حول هذا المذبح من الصفا إلى المروة ومن المروة إلى الصفا. وفي المصطلح يطلق عليه اسم السعي.
مِنىً
إنه حقل شاسع بين الجبال على بعد حوالي خمسة كيلومترات من مكة المكرمة. يبقى الحجاج هنا ويقيمون بعد مجيئهم من مكة المكرمة في الثامن من ذي الحجة وبعد عودتهم من العرفة في العاشرمن ذي الحجة، ويكملون مناسك الحج المتبقية.
العرفات
إنه أيضًا حقل شاسع وميدان واسع على بعد حوالي 10 كيلومترات من مِنى، حيث يلقي إمام المسلمين خطبة في التاسع من ذي الحجة، وبعد ذلك يقف فيه الحجاج حتى غروب الشمس.
المزدلفة
وهذا أيضًا ميدان آخر في الطريق إلى مِنى، حيث يقضي الحجاج الليل بعد عودتهم من العرفة. وهي تقع تقريبًا بين منى والعرفة. وتبدأ حدود الحرم من هنا، لذلك يطلق عليه أيضًا “المشعر الحرام” كما وصفه القرآن بهذا الاسم . (البقرة:198)
الجمرات
وهي أعمدة ثلاثة في ميدان مِنًى التي وصفت بأنها رموز للشيطان. أحد هذه الأعمدة هو الأكبر، ويسمى جمرة العقبة أو جمرة الأخرى. وسميت الركيزتان الأخريان باسم جمرة الأولى وجمرة الوسطى. ويرمي الحجاج الحجارة على هذه الأعمدة بعد عودتهم من العرفة.