للأستاذ جاويد أحمد الغامدي
الإنسان مخلوق. تبدأ قضية الدين بإدراك هذه الحقيقة. إنها حقيقة وجودية و يمكننا ملاحظتها بأعيننا وقتما نريد. لذلك نحن نعرف من أية عناصر غير حية يتم إنشاء كيان الإنسان. وأين وإلى أي مصنع تذهب تلك العناصر من خلال نظامنا الغذائي؟ وكما نحن نعلم أنه لا توجد بذرة إنسانية فيها، ولا يوجد أي شيء يحول المادةَ إلى حياة والحياةَ إلى وعي وشعور.
ولكن عندما يصل الغذاء نفسه إلى نقطة معينة، يتم تحويله إلى مادة منوية تحتوي على النطف المنوية القادرة على أن تصبح إنسانا. وتوجد الجراثيم المنوية بالملايين والملايين في هذه المادة المنوية، والتي تخرج من ذكر واحد في مرة واحدة. وكل واحد منها لديه القدرة على لقاء وتلقيح بويضة المرأة، والتي تتشكل بنفس الطريقة في مصنع آخر، وتصبح إنسانا كاملا.
ويمكننا أن نرى أنه عندما تلتقي هذه الجرثومة بالبويضة، فإن الشيء الذي يظهر إلى حيزالوجود في البداية يكون صغيراً جدا بحيث لا يمكن رؤيته بدون مجهر، ولكن ثم يتحول نفس الشيء المحتقر في تسعة أشهر وبضعة أيام بدأً من قطرة ماء، في مضغة تتحول في جلطة، ثم في العظام المركبة عليها اللحم،ويصبح شيئًا آخر في رحم الأم ويخرج إلى العالم الكون. حتى يتمكن من إظهار عجائب المعرفة والتفكير والفكر والصناعة، والتي يمكن رؤيتها ومشاهدتها في كل مكان في العالم في هذا الوقت.
نرى هذا المخلوق ونضطر من خلال بنية وعينا أن نبحث عن خالقه. ليس لأنه يجب أن يكون هناك خالق لكل الأشياء، بل لأنه يجب أن يكون هناك خالق لكل مخلوق. إن فعل الخلق هو الذي يجبرنا على البحث والتفقد عنه. لقد وُلدنا مع هذا القلق وحس الفحص، لذلك لا يمكننا أبدًا أن نتفق على التخلي عن البحث عن فاعل لفعالية وعن مؤثر لكل تأثير.
انظروا إلى كل أساطين الفلسفة والعلم والتصوف واحدا تلو الآخر، لم يتمكن أحد من التخلي عنها. لذلك، فإن تاريخ المعرفة كله هو تاريخ الاعتراف بحقيقة أن كل مخلوق له خالق، وبماأن الإنسان مخلوق، لذلك يجب أن يكون له أيضا خالق.
وليس هذا فقط، ولكننا نعلم أن عمل الخلقة الذي شهدناه مقصود وإرادي،وفي كل جزء منه ظهرت قوة هائلة ومعرفة وحكمة لا مثيل لها. وكما أننا لا نستطيع أن ننكر الخلق، لا يمكننا أن ننكر طبيعة العمل هذه. لأن طبيعة الفعل هذه هي حقيقة وجودية تماما كما أن وظيفة الخلق هي أيضا حقيقة وجودية.
وكما نلاحظ العمل، نلاحظ هذه الحقيقة أيضا، لذلك نحن ملزمون بالاعتراف في الوقت نفسه بأن خالق الإنسان هو صاحب الإرادة، وقوته غير محدودة، وهو عالم وحكيم.
فقد يجيء عقل الإنسان به ويحضره إلى هنا. فهو في هذه الرحلة لا يحتاج إلى أي توجيه من الخارج. إن قدرة المعرفة والفهم التي منحها الإنسان عند ولادته كافية لإرشاده في هذه الرحلة. ولكن أبعد من ذلك، فإن السؤال أن من هو ذلك الخالق؟ لا يمكن للعقل البشري أن يجيب على هذا بنفس اليقين والقطعية الحتمية.
وهكذا، فإن عقله عادة ما ينظر إلى الإجابتين اللتين تم تقديمهما عبرَ تاريخ البشرية ويختار بينهما أو يظل يتردد في صراع بينهما.
الجواب الأول هو أن الكون الذي يفتح الإنسان في حضنه عين الوعي والشعورهو خالقه. هذا هو جواب الإلحاد.
ويتم تقريرهذا الرد بشكل عام بطريقة تجعل الكون لديه وعيه الخاص، بحيث تكون تلك القوة المبدعة أيضًا بداخله، والتي هي خلاقة من حيث واقعها. لا يوجد شيء خارجه، ولكن التمييز بين الداخل والخارج موجود أيضًا بداخله. وكل جزء منه موجود بنفسه في داخله وأيضا في خارجه. إنه مصنع الأسباب والعلل، لكن السبب النهائي في مجمله هو نفسه.
وهذه الإجابة مجرد ادعاء.
أولاً، لأنه لم يتم رصد أي دليل في مشاهدتنا على الوعي الذاتي للكون الذي تدعيه هذه الإجابة. ونحن نعلم أن حقيقة الكون هي المادة، والمادة خالية من القصد، كما أنها خالية من العلم والعقل. وهذه الأشياء، إذا وجدت في أي مكان، فهي موجودة في نفس المخلوق، الذي اُدعي فيه أن هذا الكون هو خالقه،وليس هذا فحسب، فهذه القوة أيضًا في مستوىً ما، إذا وجدت في أي مكان فهي في نفس المخلوق، وبدونها يصبح الكل من المعرفة والعقل والإرادة بلا معنىً.
ثانيًا، لأن ظهور قوة الكون، الذي اعتبر خلقا، هو مجرد ظهور لخصائص الشئ الكائن وفعاليته وتأثيره. ويمكننا أن نرى هذا النوع من الظهور في كل جزء من الآلات الأوتوماتيكية التي اخترعها الإنسان، وفي شكل الذكاء الاصطناعي، الذي يفاجئ كماله المذهل الجميع الآن.
ثالثًا، لأن مجملها إن وُجد، فهو مجموع نفس التأثيرات والخصائص التي تخلق علاقات السبب والنتيجة وعلاقة العلة والمعلول فيه. ولا علاقة له بفعل الخلق، الذي يتطلب قوة المعرفة والعقل والنية والعمل في كل مرحلة. فهذا عالم الأسباب والعلل ودنيا المناهج والقوانين. وليس لها مكانة أكبر من ذلك.
من هو خالق الإنسان؟ الجواب الثاني على هذا السؤال هو الذي قدمه أولئك الذين يقدمون أنفسهم كأنبياء. وكانت قد أعطيت هذه الإجابة للإنسان مع بداية خلقه. فكما كان الإنسان الأول أولَ إنسان، كذلك كان كذلك النبيَ الأول. وتتلخص هذه الإجابة في أن خالق الإنسان هو الذات الحكيم خارج هذا الكون. بدأ خلق الإنسان من بطن الأرض. فإن نفس عناصر التربة التي تدخل إلينا على شكل طعام وتبدأ هذه العملية بالتحول إلى ملخص للماء المهين (النطفة المنوية)، التي يصنع منها البشر، قد مرت بنفس العملية داخل الطين اللازب في ذاك الوقت، حتى اكتمل الخلق، وجف نفس الملاط من الأعلى وأصبح الطين صلصالاً كالفخار، وبسبب الهدم والكسرفيه ظهر كائن حي، والتي ينبغي أن تسمى وجود للإنسان. ثم بدأ نفس الفعل الذي حدث داخل الأرض يحدث داخل هذا الكائن الغير المهذب و دون علم وفهم، وبعد ذلك تم صقله وتهذيبه وتسويته بكل طريقة، حتى تمكن من إعطائه شخصية الإنسان. لذلك تم منحه إياها مع ضربة خفية ونفخ فيه من روحه:كما قال:
بَدَاَ خَلْقَ الْاِنْسَانِ مِنْ طِيْنٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهٗ مِنْ سُلٰلَةٍ مِّنْ مَّآءٍ مَّهِيْنٍ، ثُمَّ سَوّٰىهُ وَنَفَخَ فِيْهِ مِنْ رُّوْحِهٖ، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْاَبْصَارَ وَالْاَفْـِٕدَةَ قَلِيْلًا مَّا تَشْكُرُوْنَ. (السجدۃ32: 7 9-)
والمصدر الذي رُد منه هذا الجواب آخر مرة هو هذا القرآن الذي نقلت آياته أعلاه. ويزعم النبي الذي قدمه أنه كلام الخالق الذي نزل عليه، وكما نزل قرأه على الناس بنفس الطريقة ولم يبدل فيه حرفا ولا مقطعا، ولن يجرؤ على ذلك أحد غيره إلى يوم القيامة.
وهذا الادعاء مذكور في القرآن نفسه، ومعه تم طرح معيار واضح جدًا، يمكننا على أساسه أن نقرر ما إذا كان القرآن حقًا كلام الخالق أم افتراء إنسان نسبه إلى الخالق؟
وما هو ذاك المعيار؟ ويمكننا أن نعرض ذلك في النقاط الثلاث التالية:
الأول: أن المعرفة التي يبدعها الإنسان لفظاً ومعنى، تكون معرفة ثابتة بعد المرور بمراحل عديدة من التجربة والخطأ. ففي اليوم الأول، ليس هو سقراط ولا أفلاطون، ولا غالب وشكسبير، ولا نيوتن وآينشتاين وهلم جراً. فإنه يتعلم ويفهم ويخطئ في كل مرحلة من مراحل التعلم والفهم أخطاءً ويصححها أيضاً. نراه يأخذ المعارف من المتقدمين سنوات، ويمارسها، ويصقلها، ويتقدم فيها خطوة خطوة، حتى تصدر منه جوهرة العلم ورائعة الأدب. هذا هو قدر الإنسان وقد ولد به. وفي تاريخ العلم والأدب كله، لم نشهد أي استثناء لهذا أبداً، ولا يمكن تصور مثل هذا الاستثناء على الإطلاق مستقبلاً.
لكن القرآن له استثناء من ذلك. فإن الشخص الذي قدمه كان يراه شعبه ليل نهار لمدة أربعين عامًا في قرية صغيرة مكونة من بضع مئات من المنازل. لقد مرت أيامه ولياليه أمام أعينهم، لكنهم لم يروه قط يمربشائبة من مراحل التجربة والخطأ تلك لمثل هذه المعرفة والكلمات التي هي مخصصة لكل إنسان، ولذلك، فإن الحقيقة أنهم لا يكادون يصدقون أن هذا الرجل الصادق والأمين من قريتهم يمكن له أن يكون خالقَ مثل هذه المعرفة ومبدعَ مثل هذه الكلمات العظيمة. فكانوايضطرون أن يقولوا متضايقين أن كل هذا قد أملى عليه عجمي متعلم. وقد نبههم القرآن ولفت أنظارهم إلى ذلك فقال:
قُلْ لَّوْ شَآءَ اللّٰهُ مَا تَلَوْتُهٗ عَلَيْكُمْ وَلَا اَدْرٰىكُمْ بِهٖ، فَقَدْ لَبِثْتُ فِيْكُمْ عُمُرًا مِّنْ قَبْلِهٖ، اَفَلَا تَعْقِلُوْنَ؟ فَمَنْ اَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرٰي عَلَي اللّٰهِ كَذِبًا اَوْ كَذَّبَ بِاٰيٰتِهٖ، اِنَّهٗ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُوْنَ.
(یونس 10: 16-17)
وكان المقصود أن يخاطبهم النبي قائلاً أيها الأغبياء! متى رأيتموني أهتم بهذه المناقشات والمباحث أو أعبر عن بعض الأفكار والآراء عنها أو أتدرب على تحريرها أو أكتسب أي علم وفن يتعلق بها والتي يتم تناولها تباعا في سور القرآن الآن؟ وقد أقمت بين أظهركم طوال الأربعين سنة فمتى شعرتم بشيء في كلامي وحركاتي واندفاعاتي، مما يمكن تسميته مقدمةً للدعوة التي أتوجه بها إليكم في هذا الوقت؟
ما أقوله اليوم، هل وجدتم أي علامات تطور له في حياتي؟ ألا تعلمون أن دماغ الإنسان لا يستطيع إنتاج أي شيء في أية مرحلة من عمره، والذي لا تظهر عليه علامات التطور في المراحل المبكرة؟ وأنتم تقولون اليوم إنني أكذب على اللّٰه. وقبل هذا هل سبق لكم أن رأيتم أية شائبة لأي كذب أو خداع أو تزوير أو دجل في شخصيتي؟ حتى اليوم كنتم تعتبرونني صادقًا أمينا وجديرًا بالثقة.
والآن كيف تقولون إن نفس الصادق والأمين أصبح كذابا مفتريا وضالا بين عشية وضحاها؟ ياعباد اللّٰه! لماذالا تعقلون ولاتتصرفون بحكمة؟
والثاني هو أن المعرفة الإنسانية لا يمكن أن تكون خالية من التناقضات. فإن حكاية النحت والعبادة والكسر، الذي يبدأ الإنسان كتابته منذ اليوم الأول تستمر حتى النهاية. وهذا أيضًا إذا فكرت فيه، علمتَ أنه نتيجة لنفس التجربة والخطأ الذي ذكرناه لاحقًا. وليس هذا فحسب، فإذا اتخذت معرفته هذه يوما ما شكل الأدب، فسوف يحدث فيه نفس الوضع.
إذا نظرت إلى أعماله بعناية،يبدو لك كل من القصيدة والبلاغة والمعنى مختلفا متفاوتاً. فيكون كلامه معجزة للجمال في بعض الأماكن، وفي بعض الأماكن يظهر في درجة سافلة بكثير وحتى في بعضها الآخرمهملاً. لذلك، إنها حقيقة أنه لم يكن هناك أبدا إنسان في العالم يستمر في إلقاء الخطب حول مواضيع متنوعة وفي مواقف مختلفة تبلغ إلى حد الإعجاز من حيث البلاغة ورفعة الكلام، وعندما يتم جمع وشمل هذه الخطب من البداية إلى النهاية أن تأخذ شكلَ مجموعة متناغمة ومتلائمة ومنسجمة من الكلام، حيث لا يوجد صراع الأفكار، ولا توجد لمحة عن الأحوال التي تنشأ في قلب المتحدث والمتكلم وعقله، ولا يمكن رؤية أي علامات تغير في الرأي ووجهة النظر في أي مكان فيه.
ولكن للقرآن هناك استثناء من هذه الكلية أيضا:فقد قال تعالى:
اَفَلَا يَتَدَبَّرُوْنَ الْقُرْاٰنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّٰهِ لَوَجَدُوْا فِيْهِ اخْتِلَافًا كَثِيْرًا. (النساء4: 82)
يقول الأستاذ الإمام:
’’وکل مقولة للقرآن مستحكمة ومترابطة في أصولها وفروعها إلى درجة لم تكن صيغ الرياضة وقوانين الأقليدس مستحكمة كاستحكامها. فإن العقائد التي جاء بها هي متناسقة ومترابطة بعضها من بعض، أن نفرق واحدة منها فتنشر السلسلة الكاملة لها. والعبادات والطاعات التي يأمر بها هي تنبثق من تلك العقائد كما تتفرع الأغصان من الجذع. والأعمال والأخلاق التي يلقنها القرآن تظهر من أصولها كما يظهر اللوازم الطبيعية الفطرية من الشيء. ونظام الحياة الذي يحدث من تعليمه الجماعي يبرز في صورة بنيان مرصوص. كل لبنة من لبناتها ترتبط وتلتصق بعضها من بعض، أن لا يمكن تجزئتها من الأخرى إلا بإحداث خلاء في البنيان كله.‘‘(تدبر قرآن2/347)
ثالثًا، إن علم الإنسان لا يكون صحيحا مطلقا أبدا. هناك دائما مزيج من الحقيقة والباطل فيه. ولذلك فهو لا يغادر الدنيا حتى تظهر أخطاء علمه ومعلوماته واستدلالاته وظنونه. وهذا هو مصيركل من سقراط وأفلاطون ونيوتن وأينشتاين. ولا يمكن لأحد الهروب منه. و لم يُر أحد مستثنىً من ذلك في أي مكان وفي أي عصر في تاريخ العلم والأدب كله. لكن القرآن له استثناء مذهل في هذا الشأن أيضًا.
وكتاب اللّٰہ ھذا متواجد عندنا في يومنا هذا، مر عليه خمسة عشر قرنًا على أقل حد. وتحديه باقي حتى اليوم،ولكن لم يكن من الممكن لأحد من أعظم الفلاسفة والحكماء والعلماء أن يثبت خطأً من كلامه أو بطلاناً في تعاليمه.
والدنيا في أثناء هذه البرهة الطويلة قد تغيرت رأسًا على عقب، لكن لم يتم الكشف عن مثل هذه الحقيقة في هذه الرحلة بأكملها، ولكن في هذه الرحلة بأكملها لم يتم الكشف عن حقيقة تتعارض مع الحقائق التي قدمها القرآن، ولم تنكر أي معرفة المعرفةَ المذكورة في القرآن، ولم يتم أية خبرة وملاحظة، تثبت التوجيه الذي أعطاه القرآن للإنسان لأي غرض يهدفه باطلاً، وما يسميه حقاً لم يكن أبدا كاذبا، وما يسميه كاذبا لم يثبت صحته أبدا. وهذه حقائق لاتجحد عن القرآن كما قال تعالى:
وَاِنَّهٗ لَكِتٰبٌ عَزِيْزٌ، لَّا يَاْتِيْهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَلَا مِنْ خَلْفِهٖ، تَنْزِيْلٌ مِّنْ حَكِيْمٍ حَمِيْدٍ. (حمٓ السجدہ 41: 41-42)
هذا هو المعيار الذي بموجبه أخبر القرآن الإنسان، بعد إثبات صحته، أن الكون الذي تخطئون في اعتقاده أنه خالقكم، هو أيضًا مخلوق لمن هو خالقكم.
ألاترون أن كل شيء لهذه الدنيا هو إظهار بارع ومؤشر عظيم على الخلق المبدع، وفي كل شيء له آية، ومعنوية عميقة، واهتمام كبير، وحكمة بالغة، ومنفعة كبيرة، ونظم عجيب، وترتيب تام، ورياضة لا نظير لها. لا توجيه لكل ذلك إلا أن هناك خالقًا كبيرًا وذاك الخالق هو الذي خلقكم.
وهو الذي جعل لكم الأرض مهادا والجبال أوتاداً وخلقكم أزواجا وجعل نومكم ثباتاً وراحةً، والليل لباسا والنهار معاشاً وخلق فوقكم سبع سماوات شداداً وأضاء فيهن سراجا مشتعلا. وهو الذي أنزل لكم المطر غزيراً فأنبت به خضرة وحبات وحدائق مدهامة غلبة.كما قال تعالى:
هُوَ اللّٰهُ الَّذِيْ لَا اِلٰهَ اِلَّا هُوَ، عٰلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، هُوَ الرَّحْمٰنُ الرَّحِيْمُ، هُوَ اللّٰهُ الَّذِيْ لَا اِلٰهَ اِلَّا هُوَ، اَلْمَلِكُ الْقُدُّوْسُ السَّلٰمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيْزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ، سُبْحٰنَ اللّٰهِ عَمَّا يُشْرِكُوْنَ. هُوَ اللّٰهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ، لَهُ الْاَسْمَآءُ الْحُسْنٰي، يُسَبِّحُ لَهٗ مَا فِي السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ، وَهُوَ الْعَزِيْزُ الْحَكِيْمُ. (الحشر 59: 22-24)
وينص القرآن على أن الاعتراف بسيادة وربوبية هذا الخالق هو شيء تم غرسه في طبيعة الإنسان منذ الأزل. ويذكر أن هذا الأمر قد حدث في شكل عهد وميثاق. ويذكر القرآن هذا العهد كأمر واقعي ثابت.
لقد كان بعث الإنسان إلى هنا للامتحان والابتلاء، لذلك تم محو تلك الحادثة من ذاكرته، لكن واقعيته مطبوعة على صفحة قلبه وراسخة في كامن عقله، لدرجة لا شيء يمكن أن يصرفه ويمحوه. ولذا، إذا لم يمنع شيء في البيئة وتم تذكير الشخص بذاك العهد والميثاق، فإنه يقفز نحوه تماما كما يقفز الطفل نحو الأم، على الرغم من أنه لم ير نفسه يخرج من رحم الأم، ويقفز مع الاعتقاد كما لو كان يعرفها من قبل.
وإنه يشعر أن اعتراف الخالق واقراره هذا كان استجابة لحاجته إلى ضرورة طبيعية كانت موجودة فيه. وقد وجدها الآن، لذلك وجدت جميع متطلبات نفسيته مكانها معه. وينص القرآن أن هذه الشهادة لداخل للإنسان وباطنه قاطعة لدرجة أنه فيما يتعلق بسيادة اللّٰه وربوبيته، فإن الجميع مسؤولون أمام اللّٰه على أساس مجرد هذه الشهادة فقط. كما قال تعالى:
وَاِذْ اَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِيْ اٰدَمَ مِنْ ظُهُوْرِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ، وَاَشْهَدَهُمْ عَلٰي اَنْفُسِهِمْ، اَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوْا: بَلٰي، شَهِدْنَا اَنْ تَقُوْلُوْا يَوْمَ الْقِيٰمَةِ: اِنَّا كُنَّا عَنْ هٰذَا غٰفِلِيْنَ. اَوْ تَقُوْلُوْ٘ا اِنَّمَا اَشْرَكَ اٰبَآؤُنَا مِنْ قَبْلُ، وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّنْ بَعْدِهِمْ، اَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُوْنَ؟ وَكَذٰلِكَ نُفَصِّلُ الْاٰيٰتِ، وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُوْنَ. (الاعراف7: 172-174)
وهذا الاعتراف هو روح هذا الكون. فعقل الإنسان راض عنه ويطمئن له وصدره يكون مطلعاً للأنواربه. فيصرخ قائلا: لاريب، إنه اللّٰه، بنوره تضيء هذه الأرض والسماوات.وقال تعالى:
اَللّٰهُ نُوْرُ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ، مَثَلُ نُوْرِهٖ كَمِشْكٰوةٍ فِيْهَا مِصْبَاحٌ، اَلْمِصْبَاحُ فِيْ زُجَاجَةٍ، اَلزُّجَاجَةُ كَاَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ، يُّوْقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُّبٰرَكَةٍ زَيْتُوْنَةٍ، لَّا شَرْقِيَّةٍ وَّلَا غَرْبِيَّةٍ، يَّكَادُ زَيْتُهَا يُضِيْٓءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ، نُوْرٌ عَلٰي نُوْرٍ، يَهْدِي اللّٰهُ لِنُوْرِهٖ مَنْ يَّشَآءُ، وَيَضْرِبُ اللّٰهُ الْاَمْثَالَ لِلنَّاسِ، وَاللّٰهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيْمٌ. (النور24: 35)
يقول الأستاذ الإمام:
’’هذه السماء والأرض، بل هذا الكون كله، هو عالم من الظلمات وبلدة الدياجير لشخص لا يؤمن باللّٰه، أو يؤمن به لكنه لا يقرويعترف بصفات اللّٰه وما تتقاضاه من الواجبات. قمثل هذا الشخص لا يستطيع أن يعرف من أين جاء هذا العالم، ولا يمكنه معرفة ما هو الغرض والغاية من وجوده.
وإنه لا يستطيع حتى أن يقضي بنفسه ما هو هدفه من وجوده هو. هل هو استبدادي وحرطليق في هذا العالم، أم أنه مقيد ومقهور؟ هل هو مسؤول أم غير مسؤول؟ ما هو خير له وما هو شر بالنسبة له؟ هل يجب أن يتبع طريق الظلم والقمع أم طريق العدل؟ هل يجب أن يسعى وراء مصالحه ورغباته الخاصة أو يعمل لغرض أعلى ومقصد أسمى من ذلك؟ تعتمد الحياة الصحيحة والناجحة على الإجابة الصحيحة على هذه الأسئلة. لكن الشخص الذي لا يؤمن باللّٰه لا يستطيع أن يجد الجواب والحل الصحيح لهذه الأسئلة.
إنه يتجول ويتيه مثل جاموس أعمى في الظلام ويسقط في النهاية في هاوية الهلاك والموت ويصل إلى مصيره المحتوم. وأما من آمن باللّٰه واعترف بصفاته الحقيقية، فإنه يحصل أيضا على نهاية هذا الكون ونهايته أيضا تتضح له. كما أنه تتنورله الإجابات على جميع الأسئلة التي لا يستطيع غير المؤمن باللّٰه والمنكرله حلها أبدا.
ولهذا السبب، لا يبقى هذا العالم مظلما ولابلدة دياجيربالنسبة له، فإن نور الإيمان ينير له كل شيء وكل جانب منه يتلمع ويضاء عليه. فالآن مهما كانت الخطوات التي يتخذها،يتخذها في ضوء النهار كله، وفي أي اتجاه يسير فيه، فإن نور الإيمان باللّٰه يرشده. وقد أوضحت هذه الحقيقة في الآية الكريمة :أن اللّٰه هو نور السماوات والأرض. ومن لديه هذا النور فهو في النور وعلى الطريق المستقيم.
ومن يحرم من هذا النور يتيه في عالم الظلمات، ولا يمكن لأحد آخر أن يعطيه النور. ’وَمَنْ لَّمْ يَجْعَلِ اللّٰهُ لَهٗ نُوْرًا فَمَا لَهٗ مِنْ نُّوْرٍ ‘. ‘‘(تدبر قرآن 5/409)