Skip to content

Chapter 130: المصاهرة

المصاهرة:

وبعد النسب والرضاعة جاءت حرمات المصاهرة، وقداسة هذه العلاقات التي تحصل من المصاهرة واضحة جلیة لا تحتاج الفطرة الإنسانیة إلی استدلال لها، فزوجة الابن حرام علی الأب وأم الزوجة علی الزوج وكذلك علاقات الإبنة والأخت والخالة والعمة وإبنة الأخ وابنة الأخت كلها حرام۔ ولكن بما أن هذه العلاقات تحرم بوساطة الزوج والزوجة جاء فیها ضعف من نوع ولذا اشترط لها القرآن ثلاثة شروط وهي:

أولاً: تحرم الربیبة من الزوجة التي دخل الزوج بها.

ثانیاً: ولابد لحرمة زوجة الإبن من كون الإبن صلبیا.

وثالثاً: إن حرمة أخت الزوجة وعمتها وخالتها وإبنة أخیها وإبنة أختها تختص فیما إذا كان الزواج بین الزوج والزوجة قائما.

أما الربیبة فقد جاء عنها في القرآن ما یأتي:

“وربائبكم اللاتي في حجوركم من نساءكم اللاتي دخلتم بهن، فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح علیكم ” فوصف القرآن الربائب أنهن نشأن في حجوركم وأن یكن من نساءكم اللاتي دخلتم بهن ولكن النشأة في الحضن لیست في محل الشرط هنا، ویوضح ذلك الأستاذ أمین أحسن الإصلاحي یقول:

’’إنه لیس كل صفة لشیئ شرط له في اللغة العربیة بالتاكید بأنه اذا فات الشرط فات المشروط، بل ینحصر ذلك علی القرینة، فالقرینة تبین أي صفة وقید موضوع بدرجة الشرط وأي صفة جاءت تصویراً للحالة، وهنا لیس قرینة فقط بل صراحة أن أم الربیبة الغیر المدخولة لاتحرم ،فوضح من ذلك أن الأصل المؤثر في حرمة الربیبة هو كونها غیر مدخولة، فإن كانت مدخولة لم یجز النكاح من إبنتها بصرف النظر عن أنها نشأت في حجره أم لم تنشأ. ویجب أن نلاحظ أن ما یجیئی في روائع البیان العربیة وخاصة في القرآن الكریم في أسلوب النفي بعد الإثبات أو علی عكسه لایجیئ فقط ككلام طریف فارغ بل یجیئی لفائدة ویكون المقصود منه في أكثر الصور هو رفع الإبهام، وعلم من ذلك أن القائلین بجواز النكاح بالربیبة إذا لم تكن مربوبة في حجره هم علی خطأ۔‘‘ (تدبر القرآن ٢/ ٢٧٦)

والأمر الثاني قد استعمل القرآن تعبیر: ’’وحلائل أبناءكم الذین من أصلابكم‘‘ واشترط فیه كون الأبناء من صلب الآباء لأن العرب في الجاهلیة كانوا یرون زواج حلائل الأبناء المتبنین أیضا حراماً وبین لهم هذا الشرط القرآني أن التبني لایجعل الولد إبنا حقیقیا ولا تقوم بها حرمة كما صرح بذلك في الأحزاب:

“وما جعل أدعیاءكم أبناءكم، ذلكم قولكم بأفواهكم، والله یقول الحق وهو یهدي السبیل، أدعوهم لآباءهم، هو أقسط عند الله، فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدین وموالیكم۔ (٣٣: ٤-٥)

الثالث، قال القرآن: وأن تجمعوا بین الأختین وهذا هو أیضا نفس الأسلوب الذي استخدمه القرآن لتحریم العلاقات الرضاعیة فیما مر آنفا، ووقف القرآن عند الجمع ’’بین الأختین‘‘ لكن اتضح منه صریحاً أنه إذا كان الجمع بین الأختین في العلاقة الزوجیة یجعله فحشا فكذلك الجمع بین العمة وبین المرأة وبین المرأة وخالتها أیضا كأنه الجمع بین الأم وبین إبنتها، وهذا هو المقصود. ولكنه حذف هذه الألفاظ ولم یجیئ بصراحة ’’أن تجمعوا بین الأختین وبین المرأة وعمتها وبین المرأة وخالتها‘‘ فإن دلالة المذكور مع ضرورته العقلانیة واضحة جلیة في هذا الحذف ،بحیث لایستطیع أي طالب مطلع علی أسلوب القرآن أن یخطأ في فهمه، وقد كشف هذا المحذوف النبي صلی الله علیه وسلم بقوله: لایجمع بین المرأة وعمتها ولا بین المرأة وخالتها. (المؤطا، رقم: ١٦۰۰)

الحدود والشرائط:

وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا۔ (النساء: ٢٤)

الحدود والشرائط التي تناولتها الآیة نفصلها فيما يأتي:

أولا اشترط أن ينعقد النكاح بالمال أي مع أداء المهر، وهو شرط لازم للنكاح، فرضه الله ولذا قال إن لم تؤدوا مهر النكاح لإمرأة حتی الآن فآتوهن أجورهن فوراً. نعم إذا كان هناك تراضي بين الطرفين لتقديم أو تأخير أو نقص وإضافة إلى مقدار المهر من بعد أن تفرضوا لهن فريضة فلا حرج فيه وليتضح على الكل أن الذي فرض هذه الفريضة هو عليم حكيم وكل ما جاء من عنده مبتني على علم وحكمة ودون خطأ، فلا يجوز لشخص مخالفة ذاك القانون ولا يتاجسر أحد على تغيير وتعديل فيه.

وما هو هذا المهر؟ إنه علامة مؤشرة على أن المرء هو الذي يتحمل نفقات ومصروفات ما عقده المرء والمرءة من عهدة الزواج ،وقد استعمل القرآن لذلك ألفاظ الصدقة والأجر أي الثمن الذي تم أداءه لتسديد حاجات المرءة صلةً لزواجها ورفاقتها، وهو أيضا سنة قديمة مثل النكاح وكانت رائجة في جزيرة العرب قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ، وجاء ذكرها من هذه الحيثیة في الكتاب المقدس أيضا- (انظر:سفرالميلاد الآية ١٢- والخروج:١٧)

ولماذا هذه الأهمية له؟ يقول الأستاذ أمين أحسن الإصلاحي موضحا ذلك:

’’يجب أن تُعار أهمية كبيرة خاصة لمسئلة اشترط فيما أداء المال كواجب شرعي وليس كتبرع أو إحسان حتى إنه لو لم يكن مذكورا في اللفظ يُفهم أنه مضمر فيه بالتأكيد، وذلك يعني أنها مسئلة هامة باعتبار الحیثية العرفية للمرأة شرعاً وعرفاً. ففي مثل هذه المعاملة لا يجترئي كل من له وعي وشعور أن يكون فريقاً فيها حتى يتفكر في مسئوليات وتبعات تلك المشاركة فيها. ويفكر مئة مرة قبل أن يستعد القيام بمستلزمات المشاركة لها، ومن أجل هذه المصالح صار شرط المهر ضروريا، ومن لم یترو في الأمر ولم يأخذ بالاعتبار هذه المصالح أخطأ الفهم حين اعتقد أن اشتراط أداء المهر قد حط من درجة المرأة إلى درجة الشيئ المبيع والمشترى، وهذا من سوء الفهم – إن هذا الشرط هو انتباه وتحذير أن من يدخل في حريم المرأة يقدم عليه بعد تفكير جيد طويل فإن باب النكاح والطلاق باب الجد و العزيمة لا مجال فيه للهزل، إن هزله أیضا جد.

وقال الشاعر الفارسي ما معناه ’’انتبه إلى أن هناك سيفا في الطريق فلاتضع قدمك عليه‘‘. تدبر القرآن (٢/٢٧٨)

ولم يحدد الشرع أي مقدار للمهر وإنما ترك على رأي الناس ودستور المجتمع فلهم ضبط مقدار المهر بقدر ما يريدون نظراً إلى مكانة المرءة الإجتماعية ورعاية لحالات المرء المعيشية.

والشيئ الثاني الذي تطرقت إليه الآية أنه لابد للنكاح من العفاف، فلا یحق للزاني أن يتزوج بعفيفة ولا لزانية أن تزوج برجل عفيف إلا أن لا يبلغ الأمر إلى المحكمة فيتوبا إلى الله ويتطهرا من هذا الذنب بالتوبة والاستغفار – وهذا هو المراد من ’’محصنين غير مسافحين‘‘ وقال تعالى في موضع آخر:

الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ۔ (النور: ٣)

وقد جاء ذلك صراحة في بعض الأحاديث أيضا انظر: أبوداؤد، رقم: ٢۰٥١، ٢۰٥٢۔ وانظر للاستزادة في ذلك باب الحدود والتعزيرات في الكتاب نفسه.

وفي هذه الآية أيضا إشارة واضحة إلى مماثلة الشرك والزنا كما تفید بذلك الصحف السماوية الأخرى أیضا. وكما لايجوز لأحد الزوجين أن ينام في فراش الغير لايجوز للمسلم أن يعبد في بيته مع الله غيره، بل ذلك أبغض إلیه من النوم في فراش الغير، وهذه المماثلة بين الشرك والزنا مفهومة على أن القرآن قد صرح ذلك فقال:

وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ۔ (البقرة: ٢٢١)

وقد جاء حكم إنهاء النكاح من الكفار في الآية العاشرة من الممتحنة (٦۰) ولكنها أمر آخر تماما، أنظر في ذلك الحاشية رقم ٦۰ تحت هذه الآیة في تفسیرنا “البیان”.

أما الیهود والنصاریٰ فإنهم كانوا ملوثین بنجاسة الشرك في العلم والعمل تلوثا فاحشا ولكن مع ذلك، بما أنهم كانوا في الأصل مؤمنین بالتوحید فقد رخص الله لهم وتنازل للمسلمین في أنهم جاز لهم النكاح من نساء أهل الكتاب المحصنات فقال:

وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ۔ (المائدة:٥)

وسیاق الآیة یخبرنا أن هذه الرخصة كانت قد أعطیت حین لم یبق إبهام في أمر التوحید وتغلب تغلباً تاماً علی الحضارة المشركة، ولفظة ’’الیوم‘‘ التي جاءت في مستهل الآیة دلیل علی أن حالات ذالك الوقت كان لها دخل في تلك الرخصة وكان من المتوقع أن المسلمین اذا تزوجوا من نساء أهل الكتاب فإنهن سوف یتاثرن بهم بالتاكید ویقبلن الإسلام فلایتصادم التوحید مع الشرك إذن، ولذلك أثناء الاستفادة من هذا الإذن یجب أن یوضع هذا الشیئ في الاعتبار حتی في هذا العصر.

كما یجب أن یتضح أن الهدف الذي یرمی إلیه الزواج من إیجاد مؤسسة الأسرة تقتضي حرمته أن یتم النكاح بإذن الوالدین وأولیاء الأمور وبرضاهم، ولاشك أن النكاح یُبرم أصلا من قِبل رجل وامرأة ویتم بإیجابهما علانیا ،ولكن إذا لم یتم بإذن الولي یجب أن یكون هناك سبب لذلك، وإذا لم یتواجد سبب معقول فیحق للنظم الاجتماعي أن یتدخل في النكاح كهذا، ولكن لا یعني أنه إذا تم هناك نكاح كهذا یُبطل ویُعفی أثره وذلك الذي أرید إثباته بروایات جاءت في لفظ ’’لا نكاح إلا بولي‘‘۔ (رواه ابوداؤد، رقم: ٢۰٨٥) وبما أنه یصبح تمرد المرأة في هذه الحالة اضطراباً غیر عادي للأسرة فنظرا إلی ذلك قد أوضح النبي صلی الله علیه وسلم بقوله وفعله علی أولیاء الأمور أن لا یقضوا قضاءً في الزواج بغیر اذن المرأة وإلا یُردّ قضاءهم إذا شاءت، فعن أبي هریرة قال قال النبي صلی الله علیه وسلم لاتنكح الأیم حتی تستأمر ولا تنكح البكر حتی تستأذن، فقالوا وكیف تستأذن، فقال إذذنها صماتها. (رواه البخاري، رقم: ٦٩٦٨) وعن ابن عباس قال قال النبي صلی الله علیه وسلم تنكح الأیم بنفسها وتستأذن البكر۔ (رواه مسلم، رقم: ٣٤٧٦) وعن خنساء بنت خذام أن أباها زوجها وهي كارهة وكانت ثیباً فأجاز لها النبي صلی الله علیه وسلم أن ترد نكاحها. أخرجه أحمد في مسنده والبخاري رقم: ٥١٣٨۔