خامساً- شريعة الدعوة
إنَّ أحدَ متطلبات الدّين الأساسية المهمة هو مثابرة أتباعه على حثّ الناس من غير المؤمنين به على تبنّيه واعتناقه. وقد استُعمل للدلالة على المعنى السابق مصطلحان هما (الدعوة) و(التبليغ). ونتبيّن عند دراسة شريعة الدعوة المذكورة في القرآن أنّ عبء هذا الأمر العظيم يقع على عاتق المؤمنين الذين تتفاوت واجباتهم ومهماتهم بتفاوت قدراتهم وظروفهم.
ويمكن تصنيف تفريعات شريعة الدعوة على النهج الآتي لتحقيق فهم أكبر لها:
الواجب الدعوي للرسول مُحَمَّد (ص).
- الواجب الدعوي للرسول مُحَمَّد (ص)
لقد أرسل الله أنبياءه جميعاً لدعوة الناس إلى توحيده، وليكون كلُّ واحدٍ منهم نذيراً وبشيراً، نذيراً للكافرين بسوء العاقبة، وبشيراً للمؤمنين بحسن المآل؛ ومعرفة هذين الأمرين تغني عن شرحهما. وكان الإنذار الذي حمله الأنبياء الذين رقّاهم الله إلى مرتبة الرسل قد اكتمل فيما يُسمَّى في الاصطلاح القرآني بـ (الشهادة)، التي تعني، هنا، دعوة الناس إلى الحقِّ بأسلوب لا يترك لأحدٍ فرصة أن يلفّق عذراً يبرّر به انحرافه عن الصراط المستقيم. والطريقة التي تأسّست عليها هذه الشهادة أن الله يختار هؤلاء الرّسل، فيثيبُ الناس أو يعاقبهم في الدنيا من خلال الأنبياء قبل وقوع يوم الحساب الأكبر في الآخرة. ويُنبه الناس عن طريق الرسل أسنّهم إذا التزموا بميثاق الله وعهده فسيُثابون، وإذا نكثوا به فسيُعاقبون في الدنيا، فيصبح الرسل نتيجةً لذلك آياتٍ إلهية، وكأن الناس يرون الله يمشي بصحبة الرسل الذين ينفذّون أحكامه، والرسل إضافة إلى ما سلف مأمورون بإبلاغ الحقِّ الذي كانوا قد أدركوه ببصيرتهم، وبإيصال هدى الله بكلّ أمانة ودقّة.
وهكذا نرى أنّ الشهادة تتطابق في مدلولها الاصطلاحي مع المراحل المختلفة التي مرّت بها دعوة الرسول ابتداءً من (الإنذار)32، إلى (الإنذار العام)، إلى (إتمام الحُجّة)، إلى (الهجرة)، إلى (البراءة) كمرحلة أخيرة، وهي الأساس الذي بُنِيَ عليه مبدأ الحساب الإلهي في الدنيا والآخرة. ولذلك، يَنصر الله هؤلاء الرّسل، ويعاقب الجاحدين بدعواتهم في هذا العالم أيضاً.
32. ( يُوجَّه الإنذار في المرحلة الأولى من الدعوة إلى المحيط الاجتماعي القريب: ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ . (الشعراء: 214). (المترجم).
واجب مِلّة إبراهيم في نشر الدعوة.
- واجب مِلّة إبراهيم (عليه السلام) في نشر الدعوة
إنّ مضمون هذه الدعوة هي الشهادة ذاتُها المذكورة آنفاً، وقد ذكر القرآن أن الله تعالى يختار شخصيات عظيمة من ذريّة آدم من أجل (الشهادة)، واختار ذريّة إبراهيم بالطريقة ذاتها لتولي مسؤولية الشهادة بالأسلوب الذي يحفّز على بذل الجهود من أجل تلبية متطلبات هذا الموقع.
وبالنظر إلى هذه المكانة لنسل إبراهيم (عليه السلام)، فإنهم إذا تمسكوا بالحقّ عموماً، واستمروا في تقديمه إلى شعوب أخرى في هذا العالم بيقين تام مع الحفاظ على السلامة الكاملة لمحتوياته، فإنّ الله تعالى سيمنحهم الهيمنة على مخاطَبيهم الذين يرفضونهم. ومن ناحية أخرى، إذا لم يلتزم نسل إبراهيم بالدعوة إلى هذا الحقّ، فإنّ الله تعالى سيُنزِل بهم عقوبة الإذلال والقهر.
واجب العلماء في نشر الدعوة.
- واجب العلماء الدّعوي
انتقل واجب الإنذار بعد النبي مُحَمَّد (ص) إلى علماء الأمة الإسلامية. وقد امرالله أن يؤطي بعض الناس من كلّ فئة اجتماعية أنفسهم على اكتساب معرفة راسخة بالدين تهدف إلى إنقاذ من يحيط بهم من عذاب الآخرة بواسطة الإنذار والتحذير.
ووضّح القرآن بهذا الصّدد بعض الجوانب التي لا بدّ أن تبقى في الحُسبان:
– أوّلها أنه يجب أن يكون لدى العلماء ما يكفي من الإيمان بالحقّ، لينظروا إليه على أنّه صوت القلب ونداء الروح وهم يطوفون الأصقاع مبشرين به حتى يدرك الناس صدق ما دعوا إليه، بعد أن يروا منهم ذلك الخضوع التام لإرادة الله الذي خوَّلهم دخول ذلك الميدان وفق أسلوبٍ ينمُّ عن قناعة تامة صادرة من القلب والروح.
– وثانيها هو عدم التناقض بين ما يؤمنون به من ناحية، وما يفعلونه على أرض الواقع من ناحية أخرى. وأيّاً كان الفكر الذي يبشرون به، أو الحقَّ الذي يُبلِّغونه، فإنَّ عليهم أولاً أن يبدؤوا بأنفسهم.
– وثالثها عدم التهاون والتراخي في الحقّ، وتفادي أيّ حلّ وسط أو تسوية تفضي إلى التخلي عنه أو عن أي جزء منه مهما كان ضئيلاً. ولا بدَّ أن تتجدد شهادة اللسان بشهادة القلب في شخصية الداعي بحيث لا تأخذه في الحقِّ لومةُ لائم.
– ورابعها وجوب الركون إلى القرآن بوصفه وسيلة الإنذار. لقد أمر القرآن النبي مُحَمَّداً أن يُنذِر الناس، ولذلك سمّي (النذير)، ودور علماء الدين عمليّاً هو تبليغ الناس بهذا الإنذار.
واجب الحُكّام في نشر الدعوة.
4- واجب الحكّام الدعوي
إذا حقّق المسلمون الاستقلال السياسي فوق أيِّ بقعة من الأرض، فمِن مسؤولياتهم أن ينتدبوا من بينِهم مَنْ يكون قادراً على دعوة الناس إلى صالح الأعمال، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو واجب مفروض على الحكام بعد تأسيس الدولة وتشكيل الحكومة، إذ عليهم بالإضافة إلى الأعباء السياسية عبْءُ القيام بواجبهم الدعوي أيضاً.
واجب الأفراد في نشر الدعوة.
5- واجب الأفراد الدّعوي
وواجب الأفراد المتعلق بالدعوة هو أن يحثّ بعضهم بعضاً على العمل الصالح، وأن يَنْهى بعضهم بعضاً عن الفواحش ضمن محيطه الاجتماعي المباشر وحدود نفوذه (تأثيره). فالشخص مطالَب أن يؤدِّيَ هذا الواجب في أسرته وأقربائه وأصدقائه، ولا يمكن ضمن حدود هذا الصِّنف من التبشير أن نميز بين المرسِل والمستقبِل اللذين يتبادلان الأدوار بكل سهولة، فهذه المسؤولية يحملها الأب تجاه ابنه، والزوج تجاه زوجته، والأخ تجاه أخته، والصديق تجاه صديقه، والجار تجاه جاره… وهلمّ جرّا. ثم تنقلب الأدوار، فيصبح الطرف الثاني مسؤولاً نحو الأول. وباختصار يجب أن يتحمل الإنسان هذه المسؤولية تجاه من تربطه به علاقة مباشرة، وحين يرى واحداً من هؤلاء قد اتخذ موقفاً مناقضاً للحقّ نصحه بتقويم سلوكه وإصلاح حاله بما يتفق مع حدود علمه وقدراته.
خطّة الدعوة وتدبيرها.
6- خطة الدعوة
تشمل خطة الدعوة كلّ أنواعها، وكان القرآن قد أقرّها مبدأً تنطلق منه وفق الشروط والضوابط التالية:
– أولها: إن أسلوب الدعوة لا بدّ أن يعتمد على الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن وفق الاصطلاحات المعهودة، ويُقصَد بالحكمة هو تقديم الحُجّة المستمدّة من منثور القول ومنظومه، ويُقصَد بالموعظة والمجادلة الحسنة تقديم النصح بأسلوبٍ لطيف بعيد عن الفظافة والغِلظة. والمعنى الذي يقتضيه القول السابق هو عرض المواعظ والنصائح مدعومةً بالحُجّة والبرهان على ضوء العلم والعقل، والابتعاد عن العدوانية والعبوس والتولّي قدر ما يستطيع الداعي الذي يجب أن تكون لهجة كلامه ونبرة صوته مفعمة بالرقة والرّحمة، وأن يكون أسلوبه لائقاً. وإذا لجّ خصمه المعاند في العدوانية والمكابرة ظلّ مهذباً ولطيفاً في خطابه.
– وثانيها هو اقتصار مسؤولية الداعي على الدعوة فقط لا يعدوها إلى غيرها: يقوم بتبليغ الحقّ وشرحه فقط، ولا يُظِهر أيَّ تكاسل (تهاون) في الحثّ عليه والوعظ به. وإذا نهض بهذا العبْء بأسلوب لائق وفى بالتزامه خير وفاء. وعليه أن يُدرك أن الله يهدي من يشاء ويضلّ من يشاء، وهو عليم بمن ضلّ، وبمن اهتدى، مما يحتّم عليه أن يتعامل مع كلّ شخص بالأسلوب الذي يناسبه، فلا يحاول فرض الحقّ فرضاً، ولا يملي أحكاماً مسبقة تتعلق بالمصير الذي سيواجهه في الآخرة، لأنّ تكفير الآخرين أو العكس متروك لله فقط.
وثالثها أنّه إذا بادر أحد المخاطَبين بالدعوة إلى الاعتداء على الداعي وإيذائه، فللثاني الحقُّ في الردّ بالمثل ضمن الحدود الأخلاقية. ومن الخير على أية حال أن يتحمّل الأذى، ويزداد ثباتاً ومواظبة على عمله إلى الدرجة التي لا يُغيِّر فيها موقفه مهما كانت المصاعب التي تقف في وجهه، لأنه يعلم أنّ صبره سيُقابل بأعظم الجزاء: جزاء الدنيا، وجزاء الآخرة.