انتقل إلى المحتوى

الفصل 4: الأخلاق والفضائل

ثانياً- الأخلاق والفضائل

الشرط الثاني المهمّ الذي فرضه الدين، بعد الإيمان، هو تزكية الأخلاق بما يفرض تطهير كلّ سلوك أو عمل يتعلق بالخالق أو المخلوق. ويطلق على ذلك اسم (العمل الصالح) الذي تشكّل الشريعة نتيجته الطبيعية والمنطقية. وبينما أصاب التغيير الشريعة لأسباب تتعلق بالمتغيِّرات الاجتماعية والحضارية. فإنّ الإيمان والعمل الصالح لم يطرأ عليهما أي تغيير، لأنهما القاعدتان اللتان ينهض عليهما بنيان الدين. ويوضّح القرآن تمامَ التوضيح أنّ مَن أتى اللهَ يوم القيامة وهو مزوّد بهذين الأمرين فاز بالنعيم: المستقرّ الأبدي، ويوضّح أيضاً أنّ التمييز بين الخير والشرّ، وإدراك الحدود التي تفصل بينهما بحيث لا يختلط أحدهما بالآخر، هو فطرة متأصلة في الإنسان وحقيقة كونية لا ريب فيها؛ فإذا ارتكب الإنسان ذنباً تجده بتستّر عليه إدراكاً منه لعدم صوابيته، أو يختلق الأعذار التي تسوّغ مسلكه المناقض لفطرته تسويغاً واعياً، وإذا وقع ضحية لظلم الآخرين المماثل للظلم الذي أوقعه بغيره، استهجنه وندّد به.

وقد تكون ثمّة اختلافات في تفسير هذه المقدرة الفطرية على تمييز الخير من الشر، بسبب اختلاف الظروف وتفاوت مستويات الإدراك بين الناس، لكنّ نعمة الله التي أسبغها على عباده هي أنّه أزال أيّ إمكانيّة لحدوثها حيثما كان ثمة احتمال لوجودها، فأرسل لهذا الغرض الأنبياء والرسل لهداية النّاس إلى التمييز بين الخير والشرّ، هذه الهداية هي الشاهد على ما يُكِنّه المرء في دخيلته مثلما هي موضع شهادة المعرفة الحدسية والعقلية، والمعرفة الإمبريقية (التجريبية)، والمعارف المتفرعة عن القوانين الفيزيائية.

مبادئ أساسية.

1- مبادئ أساسية:

عماد الفضيلة هو الأمر بالعدل والإحسان والإنفاق على الأقرباء (إيتاء ذوي القربى). وهو يحرِّم الفِسق والشرّ والغرور (ينهى عن الفحشاء والمنكر). وقد أقرّت الديانات السماوية تلك الأوامر والنواهي بوصفها مسلّمات وحقائق بديهية، فالوصايا التوراتية العشر مبنية عليها، وفصّلها القرآن أيضاً كجزء من منظومته الأخلاقية. ويمكن شرحها على النحو التالي:

الأمر الأول هو العدل، ويعني وجوب تأدية الالتزامات والواجبات بحذافيرها مهما كانت درجة مشقّتها، وسواء أحببناها أم كرهناها.

الأمر الثاني هو الإحسان الذي يسمو فوق العدل، وهو لبُّ الفضيلة حين تبلغ الدرجة الأعلى من التأوّج والكمال، وبينما يعني العدل تأدية الحقّ بلا زيادة أو نقصان، فإنّ الإحسان يعني تأديته فوق حدّ العدل مغموراً بفيض مشاعر السماحة والكرم، إذ يعطي الإنسان بموجبه عطاءً يفوق ما هو مفروض عليه، أو يأخذ أقلّ ممّا يستحق، ما يسهم في ارتقاء قيم الحبّ والتعاطف والشفقة والتضحية والصّدق والامتنان والمروءة التي تضفي على الحياة ثوب الجمال.

والأمر الثالث هو الإنفاق على الأقرباء الذي يُعَدُّ من أهم فروع الإحسان، ويحدّد شكله في الوقت ذاته. وهم من هذا المنظور شركاء في مال المحسِن يهبُّ إلى تلبية احتياجاتهم الأساسية مثلما يلبي احتياجاته التي تخصّه، وذلك حين يحلّ بهم العوز والفاقة. وثمة ثلاثة أشياء نهى الله عنها في مقابل ذينك الشيئين اللذين أمر بهما. وهي:

– أول المحرّمات هو الفاحشة كالزّنا والجنسية المثلية (اللواطة)، وأشياء أخرى من هذا النوع.

– وثانيهما هو المنكَر الذي يشير إلى الآثام التي كان البشر قد أدركوا معناها، وكانوا يعرفونها دائما بأنهامنكر. وهي من الوضوح بحيث لا تحتاج إلى دليل أو برهان عليها. وكلّ تقاليد الدين والثقافة تراها قبيحة؛ فالقرآن الذي يستخدم كلمة (الإثم) تارةً، وكلمة (المنكَر) تارةً أخرى للدلالة على سوء الفعل وقبحه أوضحَ أنّ تلك الأفعال هي التي تقود ضمن علاقة سببية إلى اغتصاب حقوق الآخرين.

– والمحرّم الثالث هو الغرور والعصيان، فإذا امتلك الإنسان ما لا يستحق من القوة والنفوذ، فإنه يتخطى حدوده، ويغير على حقوق الناس وحقوق الله على حد سواء.

الفضائل والرذائل:

2- الفضائل والرذائل

فصّل القرآن الفروقَ بين ما هو صائب وما هو خاطئ من الناحية الأخلاقية، فبدأت آياته بالنهي عن الإيمان بتعدد الآلهة (الشِّرك)، وانتهت بتحريمه تحريماً جازماً. وتبنيّ القرآن هذا الأسلوب المتدرّج يهدف إلى إلقاء الضوء على أهمية عقيدة التوحيد (الإيمان بوحدانية الله) التي تحمي الدين برمّته وتصونه من الفساد والتصدّع مثلما يحمي السور الخارجي ما يقع ضمن دائرته من ممتلكات وأشياء. وتكمن أهميتها أيضاً في كونها من مستلزمات العدالة التي وجّه القرآن اتباعه إلى بناء صرحها، ولهذا السبب تحديداً يُسمَّى الإشراك بالله (الظلم العظيم). وقد بيّن القرآن عواقبه الوخيمة بكلّ وضوح، فهو في نظر الله ذنب لا يُغتفَر، ويستحق عقوبة الإذلال وورود نار جهنم.

ما هو الشِّرك؟ هو في نظر الاصطلاح القرآني أن تجعل مع الله آلهة أخرى (أنداداً)، ويتخذ صوراً مختلفة.

– أن تنظر إلى إنسان على أنّه ينتمي إلى الجنس نفسه الذي ينتمي إليه الله.

– أن تنظر إلى إنسان على أنّه يؤدّي دوراً في الخلق أو أن يدير شؤون المخلوقات، بالأسلوب الذي يظهر فيه كأنّه كفو أو ندٌّ للخالق.

ومن أمثلة النمط الأول من الشِّرك المعتقدات المسيحية، وعقيدة مشركي الجزيرة العربية فيما يتصل بطبيعة المسيح ومريم العذراء والملائكة، وعقيدة وحدة الوجود الصوفية.

ومن أمثلة النمط الثاني المعتقدات المتعلقة ببراهما وفشنو وشيفا في الديانة الهندوسية، أو المعتقدات المتصلة بالغوث والقطب والأبدال والداتا (المعطي )وغريب نواز (معطي الفقراء)بين المسلمين. وينتمي إلى النمط نفسه الإيمان بالأرواح الشريرة والنجوم وقوى الشيطان. وتفاصيل التعليمات والتوجيهات الأخرى بهذا الصدد هي كما يلي:

1- عبادة الله.

2-1- عبادة الله

وأول توجيه يتعلق بهذا الأمر أنه إذا كان الله يتفرد بالوحدانية، فيجب أن تتجْه العبادة إليه وحده، وهي عبادة تتأسس في جوهرها على التواضع والذل كما ذكرنا سابقاً، ويتجلّى ذلك الجوهر كأبرز ما يكون التجلي في طاعة الله. وبما أنّ الإنسان يعيش حياة عملية تتعلق برزقه ومعاشه، فإنّ عبادة الله التي تتصل بذلك الجانب تتضمن معنى الطاعة، وتتمثل مظاهر العبادة في الحالة الأولى في تعظيم الله والتسبيح بحمده، والصلاة له، والدعاء والسجود والركوع والقسم على مرضاة الله، وتقديم الأضاحي والاعتكاف.

وأما بالنسبة إلى الحالة الثانية فيقول: إذا نظرنا إلى إنسان على أنّه قادر على سنِّ قوانين وضعية مستقلة، فمن باب أولى أن ننظر إلى الله على أنّه يملك سلطة التحليل والتحريم، وأن نخضع لأوامره وتوجهاته. وقد اقتضى الأمر الإلهي ألّا يُؤدّى شيء مما ذكرناه سالفاً إلّا لوجه الله فإذا ما عظمّ إنسانٌ إنساناً آخر، وسبّح بحمده، وصلّى له، ودعا باسمه، وركع وسجد له، وأقسم به، وقدم له القرابين. ونظر إليه على أن له مرجعية التحليل والتحريم، فمعنى ذلك أنه يعصي الله.

2- الإحسان إلى الوالدين.

2-2- الإحسان إلى الوالدين

التوجيه الثاني الذي نجده حاضراً في كلّ الكتب السماوية هو معاملة الوالدين بالحُسنى. وما من شكٍّ في أنّ المرء يجب أن يقدّم التزامه وواجبه نحو والديه على أي التزام آخر، ويجب أن يقع الوفاء به بعد عبادة الله8، لأنّ الأم والأب هما سبب قدومه إلى الدنيا، وهما اللذان قدّما له الرعاية والتنشئة. وأوصى الله المرء أن يكون ممتنّاً لأبويه بعد الله امتناناً قوليّاً وفعليّاً على النحو التالي:

  1. معاملة المرء والديه بأسلوب يقدم من خلاله آيات الاحترام في المظهر والمخبر. ويجب ألا يحمل قلبه لهما أية شبهة بغض، وألّا يتأفف في وجههما، وألّا ينهرهما، بل يعاملهما بحبّ وحنان ولباقة بأسلوب يعكس طاعته لهما، وأن يوفر لهما أسباب الراحة في شيخوختهما، وأن يكون موضع طمأنينة لهما.
  2. والأمر الثاني المذكور في إحدى آيات القرآن أنّ عليه أن يمتثل لوالديه، ويطيعهما طاعةً تنشأ من محبّته وعطفه عليهما، لأنهما كانا يحميان أطفالهما من صروف الزمان كما يبسط الطائر جناحيه ليضمّ فراخه ويحميها من غوائل الجوارح المفترسة. وينبغي للابن الآن أن يمدّ لهما ظلّ رحمته. ويغمرهما بفيض حبّه بالأسلوب ذاته إقراراً منه بفضلهما السابق عليه، ويجب أن نلاحظ هنا أنّ الابن مهما أفرغ طاقته واستنفد جهده في رعاية أبويه، فلن يكون قادراً على أداء حقّ والديه أداء كاملاً.

جـ – والأمر الثالث هو وجوب الدعاء المتواصل للوالدين إقراراً بفضلهما المتقدّم حين كان يتلقى منهما، وهو طفل، صنوف الحبّ والرعاية. فعليه أن يدعوَ الله ويبتهلَ إليه كي يغمرهما بلطائف بركاته التي تعينهما على ضعف الشيخوخة وهشاشة الكبَر، والدعاء هو حق الآباء على الأبناء، وتذكار لهما بتأدية هذا الحقّ، ومحفِّزٌ على مشاعر الحبّ والحنان.

هذا بالنسبة إلى علاقة المرء بالوالدين. أمّا علاقته بالناس الآخرين الذين يقعون ضمن دائرة القرابة، فيجب أن يتخذ منهم موقفاً مشابهاً يتناسب مع درجة القرابة التي تربطه بهم قرباً أو بعداً. وهكذا، أوصى الله بالإحسان إلى الأقرباء والأيتام والمعدَمين والجيران والمسافرين والمرؤوسين في العمل والوظيفة.

8. ﴿ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إيّاه وبالوالدين إحسانا.. ﴾ (الإسراء: 23)

3- الإنفاق في سبيل الله.

2-3- الإنفاق في سبيل الله

التوجيه الثالث هو الإنفاق في سبيل الله؛ وفحواه أنّه إذا أنفق الإنسان على نفسه ممّا أنعم به الله عليه، فينبغي عليه أيضاً أن ينفق على مَن هم في مقام إخوته من الناس بعد تلبية حاجاته الأساسية الشخصية والعملية. ويتبيّن من القرآن أنّ مَن أراد أن يكون عبداً صالحاً، فلا بدّ من أن يلتزم بشيئين هما: بناء علاقة تقوم على أسس صحيحة مع الله أولاً، ومع الناس ثانياً؛ ويمكن إنجاز الأمر الأول بالصلاة: التعبير الأسمى عن حبّ الله، ويُنجَز الثاني بالإنفاق في سبيله لأنّه أيضاً التعبير الأسمى عن حبّ الناس. وأعظم ثواب يناله المرء هو محبّة الله له، لأنّ ما ينفقه الإنسان على الأرض يجتمع ويُدَّخَر له مثل كنز في السماء كما قال سيدنا المسيح، ونتيجة لذلك، فإنّ قلبه يصبح هناك في السماء أيضاً9. لأنّ ما ينفقه على الأرض مدّخّر في السماء، فما تخسره على الأرض تربحه في السماء، فأنت تخسر المال فتربح المحبّة، على حدّ كلمات السيد المسيح (عليه السلام)، ويظلّ قلبه مشغولاً هناك في السماء (متى 21-6:19). والإنفاق في سبيل الله هو حقّ يجب أداؤه للأقرباء والأيتام والمحتاجين، وأيّ تراخٍ في أدائه يمكن أن يجعل الإنسان في نظر الله مجرماً يغتصب حقوق الآخرين. وهكذا، أوضّح القرآن أنّه إذا أخذ المرء يكدّس المال والثروة غير مبالٍ بحقوق الآخرين فيه فذلك من الكنز10، وجزاؤه جهنم11 التي يفزع منها المؤمن إلى الله.

ويُوفَّق في هذا الإنفاق مَن كانوا معتدلين في مصاريفهم، ويعتبرون أنّ ما لديهم من رزق هو من فضل الله عليهم لا من حكمتهم وتدبيرهم، ولذلك يكون لديهم الدافع والإرادة كي ينفقوا أموالهم على هذا النحو الصحيح. وبالتالي، يمكن هنا ذكر أمرين آخرين:

أولهما: لا يجوز الإسراف والتبذير وتبديد الثروة لأنها نعمة من الله. والموقف الصحيح في هذا الصدد هو أن ينفِق الإنسان على احتياجاته الأساسية المشروعة باعتدال وحسن تدبير، وما يدّخره يُعتبَر أمانة لأصحاب الحقّ، وعليه أن يؤدي هذه الأمانة إليهم بمنتهى العناية مقتنعاً بأنّ للآخرين حقّاً فيها يجب أن ينالوه من باب عودة الأمانة إلى صاحبها الأصلي. والسبب في ذلك هو أنّ الشخص الذي لا يمتلك مثل هذا الموقف المتوازن في إنفاق المال، لن يكون قادراً على إيجاد وقت يقتطعه من حياته التي انغمس فيها باللهو وجمع المال للوفاء بهذه الواجبات فيما يتعلق بالآخرين.

ويؤكد القرآن أنّ الذين يبدَّدون ثرواتهم في غير وجوه الحقّ هم إخوة الشياطين، والشيطان جاحد وكافر بنعمة ربّه12، ولا همَّ له إلّا إغراء الناس وإغواؤهم بإنفاق مالهم على ما يُغضِب الله. وحين يشرح القرآن الموقف المتوازن من الإنفاق يقول بأنّ على المرء ألّا يكون بخيلاً ولا مسرفاً مُبذِّراً، لأنه حين يفقد المال ستأكل قلبه الحسرة والندامة13. وعليه، على العكس من ذلك، أن ينفق ماله بطريقة متوازنة، وأن يدَّخر دائماً شيئاً يتمكن به من مساعدة الآخرين عند الحاجة.

والأمر الثاني: إنّ حكمة الله وإرادته هي التي تحكم الظروف المالية للشخص بحيث تنحصر مهمة الإنسان في السعي الدؤوب لتحصيل الرزق، ومن فاتته هذه الحقيقة يتحجّر قلبه إلى الحدّ الذي يندفع معه إلى قتل أطفاله خوفاً من الفقر14. والآيات القرآنية التي تتناول هذا التوجيه، تلمِّح في أحد المواضع إلى عادة عرب الجاهلية التي تتعلق بوأد البنات وهنّ على قيد الحياة، متذرّعين بأنّ المرأة عضو غير منتج، ويشكل عالة على الأسرة وعبئاً على أهلها. ولذا فقد حرّم كتاب الله تلك العادة المُشينة، وأكّد أن الله هو مصدر الرزق، وأنّه عليم وبصير بالظروف التي يمرّ بها المرء.

9. ) إشارة إلى قول السيد المسيح: «إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلًا، فَٱذْهَبْ وَبِعْ أَمْلَاكَكَ وَأَعْطِ ٱلْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي ٱلسَّمَاءِ، لأَنَّهُ حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكَ هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكَ أَيْضًا» (متّى 19:6-21). (المترجم).

10. ( الكنز: الاحتفاظ بالمال دون أداء ما يجب من الزكاة. (المترجم).

11. ) ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشّرهم بعذاب أليم ﴾ . (التوبة: 34).

12. ( ﴿ إنّ المبذرين كانوا إخوان الشياطين، وكان الشيطان لربّه كفورا ﴾ . (الإسراء: 27).

13. ) ﴿ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كلّ البسط فتقعد ملومًا محسورا﴾ (الإسراء: 29).

14. ) ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم ﴾ . (الإسراء: 31).

4- العِفّة والاحتشام.

2-4- العِفّة والاحتشام

التوجيه الرابع هو تجنّب الزّنا لأنّه بذاءة صريحة وممارسة فظيعة تُعَدّ من الفواحش المنكَرة التي لا تتطلب حجّة للتدليل على بشاعتها وفجورها وسوء عاقبتها، وكانت الطبيعة البشرية تعتبره دائماً إثماً كبيراً وجريمة فظيعة لا ترتضيها إلّا الضمائر الفاسدة. والحقيقة المنزّهة عن الشكّ هي أنّ مؤسسة الزواج هي حاجة ضرورية للإنسان كحاجته إلى الماء والهواء. ولا تترسّخ هذه المشاعر الطبيعية وتتعزّز إلّا إذا كانت العلاقة بين الزوجين دائمة، وإذا زال هذا الجانب المهم، صار المجتمع أشبه بقطيع حيوانات سائب، خالٍ من العواطف الطبيعية النبيلة، وافتقد بذلك الأسس الصحية السليمة التي يمكن أن يُبنى عليها.

لم يكتفِ الله بتحريم الزّنا فحسب، بل نهى أيضاً عن الاقتراب منه بسبب فظاعته وبشاعته15، أي أنّه نهانا عن الاقتراب من كلِّ ما مِن شأنه أن يكون مبعث إغراء وإثارة. وقد ذُكِرَت آداب التفاعل والاختلاط بين الجنسين في القرآن لهذه الأسباب بالذات؛ وخلاصة هذه الآداب هي أنّ الرجال والنساء، فيما يتعلق باحتياجاتهم الجسدية والنفسية، عليهم غضّ البصر، وستر العورات، وإشاحة النظر عمّا يهيّج الدوافع الجنسية، وسبب ذلك أن الشيطان حين يريد نشر الفاحشة في المجتمع يبدأ بتلك الأعضاء، وهي الوسيلة التي اتّبعها – كما ورد في القرآن- في إغواء آدم وحوّاء. وبناءً على ما سلف ذكره، فإن إشاعة الزنا، وتهيئة البيئة المناسبة له هي جريمة كبرى في نظر الله.

15. ( ﴿ ولا تقربوا الزّنا إنّه كان فاحشة، وساء سبيلا ﴾ . (الإسراء: 32).

5- قدسية الحياة البشرية (حرمة النفس).

2-5- قدسية الحياة البشرية (حرمة النفس)

التوجيه الخامس هو ألّا يقتل أحدٌ أحداً، وهذا بيان لقدسية الحياة الإنسانية التي أكدتها النواميس الأخلاقية والدينية. وقد ذكر القرآن من قبل أنّ الله كتب على بني إسرائيل أنّ جريمة قتل نفس واحدة تشبه قتل النّاس جميعاً16.

وأوضح القرآن أنّ القتَلة لن يواجهوا الله فقط، بل يواجهون أيضاً أولياء القتيل الذين منحهم الله سلطة القِصاص الكاملة؛ ولا يحقّ لأي محكمة أيّاً كانت صفتها أن تطلب الرحمة للقاتلين، أو تتساهل معهم دون موافقة أولياء الضحية، وتنحصر مسؤوليتها، فقط، في تنفيذ القصاص العادل إذا أصرّوا عليه، وتُذعِن لشروطهم ومطالبهم كاملة.

16. ) ﴿ من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنّه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ﴾ . (المائدة :32).

6- أكل مال اليتيم.

2-6- أكل مال اليتيم

التوجيه السادس هو وجوب صون مال اليتيم. ويُذكِّر الأسلوب البلاغي المتّصل بهذا التوجيه بنظيره المتصل بالزنا، إذ قال تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلّا بالتي هي أحسن﴾. (الأنعام: 152). ويعني مضمون الآية أنّ ذلك المال ينبغي ألّا يستخدم إلا لمنفعة اليتيم وحمايته التي يتولّاها الوصيّ عليه إلى أن يبلغ سنّ النضج القانونية ليتحمل مسؤولية ماله بنفسه.

7- الوفاء بالعهد.

2-7- الوفاء بالعهد

التوجيه السابع هو الإيفاء بالعهد مهما كلّف الثمن. ويرى القرآن أنّ المرء مسؤول عن عهوده17، وأهمها – كما يظهر في مواضيع متعددة من القرآن – العهد المتعلق بالجهاد والحرب. وأمر القرآن المسلمين، في مقابل ذلك، ألا يفوا بعهودهم ووعودهم لعبَدَة الأصنام في الجزيرة العربية، وأن يلغوا اتفاقياتِهم معهم. أمّا إذا كانت المعاهدات قصيرة الأمد، فيمكن الانتظار حتى ينتهي أجلها المحدَّد، كما لا يمكن للمسلمين أن ينكثوا عهودهم مع أيِّ أمةٍ تضطهد أبناء دينهم.

17. ) ﴿ وأوفوا بالعهد إنّ العهد كان عنه مسؤولا). (الإسراء: 34).

8- الإيفاء بالكيل والميزان.

2-8- الإيفاء بالكيل والميزان

التوجيه الثامن هو أنّ الأشياء يجب وزنها وقياسها بالدّقة والأمانة، ويخبرنا القرآن أنّ الله رفَع السماوات ووضع الميزان18، وهو ما يعني أنّ على الإنسان أن يظل عادلاً ضمن محيطه الاجتماعي، وأن يقيس كلّ شيء بالميزان الصحيح الذي خُلق الكون كلّه على أساسه، فإذا حاد عن الميزان العادل حاد معه عن الإله الذي خلقه، واضطربت نتيجةً لذلك أنظمة المجتمع الاقتصادية والاجتماعية، وماجت أسسه ومكوناته بالفوضى.

وقد استُخدِمت كلمة الميزان في الأسطر السابقة استخداما عامّاً مجازيّاً، أما الاستخدام الخاص فهو متعلّق بالغش في الميزان الذي يتخذ صوراً متعددة كالتطفيف الذي يعني إنقاص الوزن، أو التلاعب بمواصفات البضاعة مثل إضافة الماء إلى الحليب، والرمل إلى السُّكَّر، والشعير إلى القمح، فإنّ مَن يفعل هذا يرتكب الجريمة نفسها، فهو – وإن كان يزن بدقة، فإنه لا يعطي المشتري بالكامل ما يشتريه، لأنّ التلاعب بشروط البضاعة ومواصفاتها قرّبها من الحدِّ الذي يماثل سلب حقوق الآخرين الذي تترتّب عليه عواقب وخيمة في الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿وأوفوا الكيل إذ كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم. ذلكم خير وأحسن تأويلا﴾. (الإسراء: 35).

18. ) ﴿ والسماء رفعها ووضع الميزان ﴾ . (الرحمن: 7).

9- اتّباع الظنون.

2-9- اتّباع الظنون

والتوجيه التاسع هو عدم الحكم على أعمال الآخرين بالظن والتخمين. وقد حذّرَنا القرآن من الاستهانة بهذا التوجيه. لأنّ البصر والسمع والفؤاد (العقل) ستكون مسؤولة أمام الله. ومؤدّى الكلام هو عدم الاستسلام للظنون والتخمينات، وعدم تلفيق مزاعم وادعاءات ضد المسلمين الآخرين مبنية على ما سبق، دون معرفة وتحرٍّ عن فحوى الأمر. وكذلك يقتضي هذا التوجيه الكفّ عن بث الإشاعات والقيل والقال اعتماداً على الظنّ، أو النظر إلى الله وصفاته وتعليماته بناء على عقد مقارنات وقياسات لا تنتهي.

10- التكبّر والغرور.

2-10- التكبّر والغرور

التوجيه العاشر هو ألّا يمشي المرء على الأرض مَرَحا واختيالاً، لأنّها مشية المغرورين. ويؤكد القرآن أنّه مهما ضرب المتكبّر الأرض بقدميه فلن يخرقها، ومهما شمخ برأسه فلن يبلغ قمم الجبال19. وهذه المشية هي سلوك حركي خارجي يشي بما هو مكنون في صدر المتكبرِّ من مشاعر وعواطف تكوّنت تحت تأثير الثروة والسلطة والجمال والمعرفة والقوة، وأشياء أخرى من هذا النوع؛ تكوّنت تلك المشاعر بعد أن أزاحت من طريقها المشاعر المتعلقة بعبادة الله وتعظيمه التي لا تتفجّر إلّا في قلب من سلك مسلك التواضع والاستكانة أمام عظمة الله، وخفّف وطأ قدميه على أديم الأرض20.

ولا ينعكس الغرور في هيئة المشية فقط، بل ينعكس في أسلوب الحديث ونوع الملابس، والمظهر الجسدي، والسلوك، وطريقة حلق اللحية والشاربين، وهي أمور يتوخى المغرور من ورائها إظهار علائم نعمته وغناه، أو يتخذها باباً من أبواب استعراض الأبّهة والمنفخة وترهيب الآخرين، وهي – كما نلاحظ – أساليب المحتالين وطرائق الخلعاء المتهتكين، وقد نهى الله، من أجل هذا، عن كلِّ ما مِن شأنه أن يُظهر صاحبه بمظهر المغرور المتكبِّر الذي تُزيِّن له عقليته الذنوب الكبيرة، فيعمد إلى اقترافها مدفوعاً بغروره وتجبّره على الله، كما يعمد إلى الاستعلاء على الآخرين، والاستهزاء بهم وشتمهم والتنمرّ عليهم، وهمزهم ولمزهم ومناداتهم بألقابهم التي يكرهونها (التنابز بالألقاب)، والحطّ من مكانة الآخرين لمجرد الاختلاف في الرأي أو العقيدة أو اللون أو الطبقة. وقد حرّم الله كلّ ما سلفَ تحريماً جازماً.

وكما وردت الوصايا العشر في التوراة، جاءت هذه الوصايا والأحكام العشرة في القرآن. والأخلاق عموماً هي نتيجة طبيعية لها؛ فما اعتبره الله تعالى من الكبائر وأعمال الفجور تنشأ من عصيان هذه الوصايا ومخالفة هذه التوجيهات. والقرآن واضح جدّاً في هذا الأمر، إذ يذكر أنّ الناس سيتعرضون لعقوبة هذا الانتهاك يوم الحساب. ولذلك، يجب على كلّ مسلم أن يظلّ حذراً حيال ذلك. وينبغي أن تظلّ

في خاطر المسلم واعتباره ثلاثة أمور:

أوّلها أنّ الله لن يحاسب الإنسان على العصيان الواقع من غير قصد وتعمُّد. وتنصّ الشريعة على أنّه إذا قام المرء بعمل، ثم تبيَّن أنّه يقع في دائرة الذنوب، ولكنّه ارتكبه عن غفلة أو سهو ودون تعمُّد، فإن الله سيُعفيه من العقاب.

والثاني أنّ الإنسان إذا نأى بنفسه عن عصيان تلك الوصايا، فإنّ الله سيغفر ذنوبه الصغيرة، وإلّا فإنّ ذنوبه الكبيرة والصغيرة ستسجل معاً في كتاب أعماله، ويحاسب عليها جميعاً.

وثالث هذه الأمور: إذا عصى الإنسان أيّاً من تلك الوصايا تحت تأثير عواطفه، وجب عليه أن يتوب ويصحّح سلوكه من فوره، وذكر الله أنّه سيغفر لمن ارتكب الذنب في غمرة عواطفه إذا تاب بعد ذلك مباشرة. ولكنّه لن يغفر لمن ارتكب الذنب طوال حياته ثم تاب حين شعر بدنو أجله، ولن يغفر أيضاً لمنكري الحقّ إذا ظلّوا على إنكارهم حتى اللحظة الأخيرة من حياته.

لقد حسم القرآن مسألة التوبة في الحالتين السابقتين، وتبقى حالة وحيدة غير محسومة، وهي أنّه إذا لم يكن المرء قادراً على التوبة مباشرة بعد ارتكاب الذنب لأسباب خارجة عن إرادته، ولكنّه لم يؤخّر توبته أو يؤجلها إلى الممات، فإنّ القرآن يصمت عن هذه الحالة صمتاً يُولِّد الخوف والأمل: الخوف من الجزاء، والأمل بالمغفرة. ومثل هؤلاء يغمرهم الرجاء والأمل بأن ينالوا الخلاص بشفاعة النبي (ص).

19. ( ﴿ ولا تمشِ في الأرض مرحاً، إنك لن تخرق الأرض. ولن تبلغ الجبال طولا ﴾ . (الإسراء: 37).

20. ) إشارة إلى قول الشاعر المعرّي: خفّف الوطءَ ما أظنّ أديمَ الـ ….. أرضِ إلّا من هذه الأجساد.

كمال الفضيلة:

3- كمال الفضيلة

يذكر القرآن في موضع واحد الصفات والمميّزات التي تنشأ في أعماق الإنسان حين يبلغ أوج الفضيلة فيما يخصُّ الخالق ومخلوقاته، وهي تتلاحم لتشكّل مجموعاً كليّاً أو جسداً واحداً يعكس كمال الدين الذي يحثّ معتنِقيه على أن تتشبّع أرواحُهم بها. وهي على النحو الآتي:

1- الإسلام.

3-1- الإسلام

أول صفة هي الإسلام. أي الاستسلام بمعنى الخضوع إلى الله. هذا من حيث المدلول اللغوي. أمّا من حيث المدلول الاصطلاحي، فهي تدل على صيغة الدين الخارجية21: التعليمات والتوجيهات المتصلة بالأفعال والأقوال والكيان المادي للإنسان. وهكذا إذا همّ الإنسان بالكلام ثم سكت تحت امرالله ونهيه، وإذا أراد أن يسمع ثم تصامم عن السمع، وإذا ارتفعت يده بالضرب ثم أُسبِلت. وإذا شرع يمشي ثم وقف… فإنّ كلّ ذلك يقع في دائرة الإسلام. وقد بيّن القرآن أنّ الأنبياء هم أفضل من مثّلوا ذلك الدين ووجّهوا أتباعه إلى الموقع الذي يُسلِمون فيه كلّ شؤون حياتهم إلى الله بالرضا والسعادة التّامّين.

21. ) يشير المؤلف هنا إلى التمييز بين الإسلام بمعناه الواسع والإسلام بمعناه الخاصّ؛ يشير الأول إلى الدين الإسلامي في مجموعه الكلّي كشريعة وعقيدة إيمانية. ويشير الثاني إلى الصيغة الخارجية للدين تمييزاً له عن صيغته الداخلية وهي الإيمان، ولكلٍّ منهما شروطه وضوابطه. (المترجم).

2- الإيمان.

3-2- الإيمان

الصفة الثانية هي تملّك الإيمان الذي يُعتبَر الصيغة الداخلية للدين، وهو يعني في هذا السياق الإيمان التامّ بوعود الله وعهوده مع معرفته معرفة صادقة. وهكذا فمَن آمن بالله على النحو الذي يُذعِن فيه إليه إذعاناً تامّاً، وكان راضياً بأحكامه كلَّ الرضا، فهو مؤمن صادق يحمل قلباً ذكيّاً وعقلاً مهتدياً ونيّة طيّبة. ويترك الإيمان أثره الواضح على أفكار المرء وأفعاله في وقت واحد، ويحيط بكيانه الكليّ من كلّ جانب. ثمّ مع ذكر الله، وتلاوة آياته، وإدراك تجليّاته الإعجازية داخل الإنسان وخارجه (في الكون)، ينمو إيمان المرء. وهذا هو الإيمان الذي يطلب، كما ورد شرطه في القرآن، ألّا يكون شيء في الدنيا أعزّ على قلب المؤمن من الله سبحانه وتعالى ورسوله (ص).

3- التواضع لله

3-3- التواضع لله (القنوت والإخبات والخضوع)

الصفة الثالثة هي التواضع إلى الله، وهو تعبير سيكولوجي عميق عن طاعة الله الأبدية بكامل الصدق والتفاني، والتجلي الأبرز للرابطة التي تجمع بين الله وعبده ضمن الذات الداخلية للمؤمن على نحو يطيع فيه الله طاعة غير منقوصة، ولا يعصي له أمراً مهما قست عليه صروف الزمان، أو مهما انقاد له عنان الأمور.

والحزن والسعادة، والنشاط والعطالة، والسّراء والضرّاء، يجب ألا تصرف المرء عن الطاعة، بل يجب أن يصمد ويثبت، ولا يتعثر أمام الله تحت تأثير النزوات الجنسية والرغبات الحارة وفيوض العواطف المتدفقة، وأن يقرّ قلبه بعظمة الله وجلالته، فيعتبر الشريعة مجموعة من الأوامر التي تجسد ألوهية الرّب ولا ينبغي عصيانها. وقليل من التأمل يوصلنا إلى إدراك الطابع الكوني لهذه الصفة.

4- الصِّدق.

3-4- الصِّدق

الصفة الرابعة هي الصدق الذي يعني أن تكون نيّات الإنسان وأقواله وأفعاله سليمة ومستقيمة. وينسجم بعضها مع بعض. ينبغي على المرء ألا ينطق كلمة واحدة غير صادقة، وألّا تتناقص أقواله مع أفعاله، فإذا التزم بكلّ قول يصدر منه، فهذا هو الصدق في القول والفعل مع صدق النية. ونقيض الصدق حسب التسمية القرآنية هو النفاق بمعنى عدم مطابقة المظهر للمخبَر. وأوضح كتاب الله في أكثر من آية أنّ العمل الصادق هو العمل الذي ينبع من قناعة الإنسان العميقة، ويتحقق على هذا النحو الصدق في صورته الكاملة عبر أضلاعها الثلاثة: القول والفعل والنيّة.

5- الصبر.

3-5- الصبر

الصّفة الخامسة هي الصّبر التي تعني في الأصل حماية المرء نفسه من الاضطراب والقلق، ثم تطوّر معناها ليدل لاحقاً على المثابرة والتصميم على مواقف الإنسان الفكرية والعاطفية في مواجهة مشقات الحياة وعقباتها. وهي لا تمت بصلة الترادف أبداً إلى الوهن الذي ينجرُّ إليه صاحبه عند قلة الحيلة والعجز. بل هو، على العكس من ذلك، منبع العزيمة والتصميم وعلوّ الشخصية الإنسانية التي تكتسب بفضله قوة روحيّة جبّارة تساعده على مقارعة القهر الاجتماعي وتجارب الحياة القاسية بعيداً عن الشكوى والتذمر، إذ يعتبر تلك التجارب قدراً إلهياً يوجب الرضا.

والإنسان الصابر لا يترك قلبه فريسة سهلة للقلق والاضطراب عند الإخفاق والفشل والأذى، وهو عنيد في الدفاع عن الحقّ حتى لو ترصّده الموت، ويكبح جماح نفسه في السرّاء والضرّاء، ويجتهد على مدار حياته في الوفاء بكلّ عهوده، واثقاً بالله ومتوكلاً عليه إذ يقول: «إنا لله وإنا إليه راجعون». ويذكر القرآن أنّ البركات والعطايا الإلهية تختصّ بمن يتمسك بهذه الكلمة إلى أن يرحل عن هذا العالم.

6- الخشوع.

3-6- الخشوع

الصفة السادسة هي الخشوع الذي يعني التواضع والذلّ المنبعث من عمق الإنسان نتيجة لخشية الله وإدراك عظمته وجلالته. وهو شعور يجعل المرء يُسلِم قياد أمره لخالقه، ويبعث فيه مشاعر الرحمة والمحبّة نحو الآخرين. وخير ما تتجسد فيه الحالة الأولى هو الصلاة، وخصوصاً صلاة التهجّد حين ينقطع المتهجّد عن العالم الخارجي ليتصل بخالقه في خلوةٍ لا يذكر فيها إلّا الله تعبيراً عن عرفانه وامتنانه.

أمّا بالنسبة للحالة الثانية، فإنّ شعور التذلّل يؤثر في شخصية المؤمن بمجملها ويجعله يبدي شعور الحبّ نحو أسرته، والحرص على أصدقائه، والتعاطف مع جيرانه ومعارفه، ويصبح منبعاً للخير والرشاد في مجتمعه؛ إذ إنّ مِن نهج هذه السيرة، سيرة الصالحين والأخيار، وما يتصفون به من لطف وتواضع، تُبنى المدنية الفاضلة، الصورة المثالية الأرقى للمجتمع المنشود الذي هو جنّة الله على الأرض، وهدف ورغبة كلّ شخص مستقيم.

7- الصدقة.

3-7- الصدقة

الصفة السابعة هي الصدقة التي تتفرّع إلى صور وأنواع مختلفة تندرج كلها تحت بند الإنفاق في سبيل الله، وتتدرّج من الأدنى إلى الأعلى من حيث السمو والنبل، أدناها منزلةً هو الإنفاق الملزِم المتمثِّل في الزكاة، وأعلاها درجة هو أن يقدم المرء، عن طيب خاطر، ما يفيض من ماله، بعد إنفاقه على حاجاته الأساسية، إلى من يعتبرهم أصحاب حقٍّ في ماله. والنوع الثالث الأرقى من النوعين السابقين هو تلبية احتياجات الآخرين من خلال التضحية باحتياجاته الخاصة. وتشمل الصدقة بمعناها الواسع الأنواع الثلاثة كلّها. أمّا معناها الأكثر خصوصية وتحديداً، فهو ينطبق على النوع الثالث الأرقى، لأنّ المتصدِّق الذي ينتمي إلى هذا النوع هو من رحابة القلب وسماحة النفس بحيث يبقى مهيّأً دوماً للإنفاق في سبيل الله إنفاقاً يمتّ بصلة ما إلى الخشوع المذكور آنفاً، ليس من خلال علاقة المنفق بالله فقط، بل من خلال علاقته بأبناء جنسه أيضاً. وبناءً على هذا الاعتبار ذُكرت الصلاة والإنفاق متجاورين في سياق لغوي واحد في القرآن.

8- الصيام.

3-8- الصيام

الصِّفة الثامنة هي الالتزام بالصيام الذي يهدف تحديداً إلى تهذيب النفس، وتقوية الصبر لتحقيق التقوى كما ورد في القرآن. والصيام يحصّنُ الصائم من ارتكاب الفاحشة، وتصبح حياته تجسيداً للمثل العليا.

9- ستر العورات (حفظ الفروج).

3-9- ستر العورات (حفظ الفروج)

الصفة التاسعة هي حماية العورات، أي حفظ الفروج كمحصِّلة للتقوى وتهذيب النفس. ويستخدم القرآن تعبير «الحافظين لفروجهم» لوصف من يتحاشَون الفحشاء والمنكر من عري وفِسق وفجور، ويصونون عفّتهم وحشمتهم إلى الغاية القصوى. لقد حرّم الله تعرية الجسد سرّاً وعلانيةً، وحرّم ارتداء ملابس ضيّقة جداً تظهر تفاصيل الجسد، أو ملابس فاضحة تكشف عن أجزاء من الجسد مثيرة للشهوة، وتهدف بصورة أو بأخرى إلى إغواء الطرف الآخر. وأمّا ما عدا ذلك، فقد أباح الله كشف الأجزاء المنزّهة عن شبهة الإثارة الجنسية. ولا يفوتنا في هذا السياق أن نذكر أنّ كبح جِماح الشهوة بالنسبة للمرءوالمرأة هو الذي ينتج مجتمعاً تسوده العفّة والحياء.

10- الإكثار من ذِكر الله. (الاستفاضة في ذكر الله).

3-10- الإكثار من ذِكر الله

الصفة العاشرة هي ذكر الله في كل وقت. حين يكون التفكير بالله أساساً ثابتاً في قلب الإنسان فإنّه لا يرى من الكفاية أن يذكر خالقه في أوقات معلومة من اليوم فقط، وإنّما يحاول أن يعطِّر فمه بذكر الله على مدار الوقت، وهو عندما يرى آية إلهية ينطق فمه تلقائياً كلمة (سبحان الله)، ويبدأ كلّ عمل يومي يقوم به بـ (اسم الله). وحين يُنعم الله عليه بمعروف، فإنه يعبَّر عن امتنانه لربّه قائلاً: (الحمد الله). وهو لا يصرح بنيّاته إلّا إذا قال: (إن شاء الله)، ويستغيث بالله في كلِّ شؤونه، ويسأله الرحمة في كلِّ خطب يلمّ به، ويلتفت إليه عند الشدة، يذكره قبل النوم وبعده. وباختصار، فإنه يتصل بخالقه في كلّ آن، وليس هذا فحسب، بل يذكره عندما يصلي ويصوم ويتلو آيات القرآن. يذكره عند الإنفاق على الفقراء، وعند تجنّب الإثم أو الوقوع فيه، وعند تلهّفه للمغفرة. وأحد أشكال ذكر الله هو التأمل في صنيع الخالق في خلقه، فالكون الذي فطره الله يعكس تنوعاً مذهلاً في مخلوقاته التي لا تُعدّ ولا تُحصى، إذ نرى من حولنا ما أنجزه العقل البشري بوحي إلهي،ونرى البحار المتلاطمة، والأنهار المتدفقة، والبساتين الخضراء المورقة، والأمطار الوافرة، وتعاقب الليل والنهار، وتصريف الرياح والغيوم، ونرى كيف خُلِقت السماوات بلا عمد، فنلمس خيرها وفوائدها بأمّ العين، وندرك المغزى من خلقه. ونحن لا نرى آيات الله في الكون الكبير الذي يحيط بنا فقط، بل نراها في أعماقنا، وتظهر بين الفينة والأخرى في صور جذّابة وأشكال خلّابة، فإذا بنا ننطق غريزيّاً (يا الله) وكأن لسان الحال يقول: ربيِّ إنك لم تخلق هذا الكون لهواً وعبثاً، وإنك من العلم والمقدرة بحيث لا تخلق شيئاً مجرّداً من الهدف. أنا أعرف أن نهاية العالم قادمة، وأنّك ستحاسب من ينكرك أو من يظنّك لاهياً وعابثاً. وإني لأعوذ بك من مصير كهذا.