Skip to content

Chapter 3: الإيمان والمعتقدات

أولاً- الإيمان والمعتقدات

الإيمان مصطلح ديني يشير إلى قبول القلب لشيء ما ورد عليه قبولاً يقينياً تصديقيّاً تامّاً، وكلّ مظاهر الإيمان وأنواعه تقوم أصلاً على قاعدة الإيمان بالله إيماناً يُسلِّم فيه المؤمن روحه وعقله إلى خالقه، ويرتقي هذا التسليم إلى الدرجة التي يكون فيها سعيداً بكلّ ما يحلّ به راضياً بقدره: خيره وشرِّه. ويندرج هذا في الاصطلاح القرآني تحت تسمية (مؤمن). وهو مطالب على الدوام بالنطق باللسان والعمل بالأركان والتصديق بحيث تشهد عليه أقواله وأفعاله حتى يتحقق جوهر الإيمان، ويصف القرآن كلّ فضيلة تنبع من الإيمان بأنها صفة جوهرية في المؤمن.

ولا شك في أنّ كلّ مَن يعتنق الإسلام بلسانه هو مؤمن في نظر الشرع، ولكنْ لا يمكن التأكد من مدى إيمانه، ففيما يخصّ درجة الإيمان ومداه، ليس هناك مقياس ثابت يميز بين الإيمان الظاهري والإيمان الحقيقي، لأنّ هذا الإيمان يتزايد ويتناقص لعوامل ذاتية وموضوعية، يزداد عند ذكر الله وسماع القرآن والتبصر في آياته التي تتجلى في داخل الإنسان أو في العالم من حوله. ولعل تشبيه الإيمان في القرآن بشجرة عميقة الجذور5 هو خير تعبير بلاغي عن تلك الحقيقة، فالأصل والجذر الثابت في الأرض معناه رسوخ قاعدة الإيمان في قلب المؤمن، وفرعها الباسق الصاعد إلى السماء تعبير عن تطور الإيمان ونموّه.

وينطبق الأمر ذاته على حالة الإيمان حين يضعف نتيجة أعمال تتعارض مع متطلبات الإيمان، بدلاً من تقويته بالعلم الصحيح والأعمال الصالحة، فهنا يضعف الإيمان حتى يكاد يتلاشى تماماً. ويجب أن نعلم أنّ الإيمان والعمل الصالح متلازمان بحيث يبدو كلٌّ منهما ضروريّاً للآخر، وقد اشترط القرآن الإيمان المعلن على المؤمن الطامح للخلاص وتحقيق الفوز بالنعيم. ويتكون الإيمان من الأركان الخمسة التالية:

1. الإيمان بالله.

2. الإيمان بالملائكة.

3. الإيمان بالأنبياء.

4. الإيمان بالكتب السّماويّة.

5- الإيمان باليوم الآخر.

    5. ) « أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ» (إبراهيم: 24).

    الإيمان بالله:

    1-الإيمان بالله

    الله هو اسم علم لخالق السماوات والأرض وسائر المخلوقات، وقد تميّز استعماله منذ البداية للدلالة على رب العالمين، واستخدمه عرب الجاهلية قبل بعثة النبي (ص) للمعنى ذاته، وهو في الحقيقة من بقايا الديانة الإبراهيمية التي ورثها العرب.

    إنّ الاعتراف بوجود الله هو فطرة مغروسة في طبيعة الإنسان، ويتجلّى هذا الاعتراف، كما يقول القرآن، في صيغة عهد وميثاق بين العبد وخالقه، ويشير القرآن إلى هذا الأمر باعتباره حدثاً واقعيّاً، وليس شيئاً مجازيّاً؛ ولكن منذ أُرسِل الإنسان إلى هذا العالم، مُسِحَت هذه الحادثة من ذاكرته، ومُحِيت من قلبه بهدف إخضاعه إلى التجربة والامتحان. ومع ذلك فإنّ جوهرَها عالق في أعماقه، ومتأصِّل في روحه، لا يُمكِن لشيء أن يمحوَه، فهو لا يلبث أن يصعد إلى ذاكرته ما لم يكن هناك عائق نفسي أو مادي يحول دونه، فإذا به يقفز إليه فرِحاً كما يقفز الطفل إلى أمه، وينجذب إليها بيقين وكأنّه يعرفها من قبل، رغم أنّه لم يرَ نفسه وهو يخرج من رحمها إلى الدنيا. ويشعر الإنسان أنّ هذا العهد الذي قطعه مع الله تعالى هو استجابة لحاجة طبيعية في أعماقه، ما إن يجده حتى يشعر بأنّ كل مستلزماته ومتطلبات ذاته قد تحققت، ويؤكد القرآن أنّ شهادة الذات الداخلية العميقة لوجود الله لا تُنكَر؛ وما دام المرء يضع العناية الإلهية نُصبَ عينيه، فإنّه سيكون مسؤولاً أمام الله على أساس هذه الشهادة.

    وقد مُنح الإنسان – إلى جانب هذه الهداية الفطرية – القدرةَ على استخلاص النتائج ممّا يراه بعينه أو يسمعه بأذنه أو يلمسه بيده، وهي استنتاجات تتجاوز هذه المَلَكات والقدرات في الواقع. ومن الأمثلة البسيطة لتوضيح ذلك، قانون الجاذبية الأرضية، فالتفاحة إذا سقطت لا تسقط إلّا على الأرض، وإذا رفعت عن الأرض حجراً شعرت بثقله، واحتجتَ إلى جهد كي ترفعه، وارتقاء السلّم أصعب من نزوله، والقمر والنجوم تدور في مساراتها وأفلاكها. ظلّ الإنسان يشاهد هذه الظواهر لعدّة قرون، حتى اكتشف (نيوتن) قانون الجاذبية الأرضية التي لا تُدرَك بالحواس، ومع ذلك، فإنّ العالم كلّه يؤمن بها كحقيقة علمية مقبولة. والسبب في ذلك أنّ كلّ النظريات والحقائق المعروفة تنسجم معها. يشرح هذا القانون جميع الحقائق التي يمكن ملاحظتها، ويفسَّر على ضوئه الكثير من الظواهر الطبيعية المحسوسة؛ وحتى الآن لا يوجد قانون آخر قادر على تفسير الظواهر المختلفة كما فسّرها هذا القانون.

    من الواضح أن هذه العملية هي استخلاص للمحسوس والملموس من غير المحسوس والملموس. وعندما يستفيد الإنسان من قدرته هذه، ويدرس العالم من حوله، فإنّ هذه الدراسة تُثبِت له تلك الحقيقة الكامنة في ذاته الداخلية أيضاً.

    وهكذا يرى الإنسان كلّ شيء في الكون بوصفه تجليّاً إعجازياً خارقاً من تجليات الخلق والتكوين، ومظهراً من مظاهر الإبداع المُعجِز، إذ يبدو الوجود كلّه زاخراً بالمعاني والدلالات العميقة، ودليلاً على عظمة إبداع الخالق الذي فطر السماوات والأرض بمقاييس وحقائق رياضية وهندسية فائقة، ليس لها من تفسير سوى أنّ هناك خالقاً عظيماً لها، وأنّ هذا الخالق لا يبدع خلقه بصورة عشوائية ودون ضوابط مُحكَمة، بل على العكس من ذلك، هو خالق ذو عقل لا يُسبَر غورُه، ذلك لأنّ القوة إذا لم تكن نابعة من كائن حكيم عليم كليّ المعرفة، فإنها تصبح مجرّد طغيان، وحقيقة الحال هي أنّ الأمر ليس كذلك، فالله ليس قوة غاشمة، بل هو عقل كلّي شامل فاضت منه الأشياء متدثرةً بلبوس الانسجام والتناغم. فهذا التعبير عن القوة والسُّلطة والقدرة له وجاهته وأسبابه، وهو متناغم ومفيد للغاية، وينتج عجائب عظيمة لا يمكن أن تنتجها قوة عشوائية غير منضبطة.

    وعلى الرغم من كفاية تلك الأدلة على وجود الخالق، أراد الله أن يكمل الحُجّة على الإنسان، وألّا يترك له أي عذر أو تبرير يُنكِر به ربوبيتَه، فاتّخذ خطوة أبعد تمثلت في أنّه بدأ البشرية بآدم، وهو الإنسان الأول الذي سمع مباشرة من الله، ورأى ملائكته؛ وبهذه الطريقة شهد مباشرة للحقّ. وقد اتخذ الله تعالى هذه الخطوة كي تنتقل هذه الشهادة لله بعد وفاة آدم إلى أحفاده جيلاً بعد جيل، وكيلا يصبح مفهوم الله والآخرة غريباً في أيّ عصر من العصور، وفي أيّ مكان على الأرض، وعند أيّ جيل من البشر.

    ليس هذا فحسب، بل بمجرد إرسال الله آدم وحواء للعيش في هذا العالم، جعل لهما وسيلة لمعرفة ما إذا كان إيمانهما وأعمالهما مقبولة لدى الله أم لا. كان ذلك بمثابة جعل كلّ إنسان في ذلك الوقت يختبر الحقيقة ويراقبها مباشرة كي يصبح من بين الشهود مع أسلافه. وكانت الوسيلة المعتمدة لهذا الغرض هي أن يقدم الناس الذبائح أمام الله من أجل استجلاب علامات الرضا الإلهي وقبوله، فإذا قدم المرء ذبيحة وقبلها الله أرسل عليها ناراً تأكلها علامةً على قبوله لها.

    ويتضح من هذه المناقشة أنّ وجود الله هو حقيقة فطرية تنتقل من الأسلاف إلى الأبناء، ونلمس وفرة الشواهد على صحتها في المادة الجامدة والمادة الحية كلتيهما. ومع ذلك، تبقى هناك تساؤلات: من هو هذا الكائن؟ وما صفاته؟ وما النواميس والأحكام التي وضعها لنفسه؟ هذه هي الأسئلة التي يثيرها عقل كلّ من يريد معرفة الله التي تعتبر ضرورية للإيمان. وسنحاول تلمّس الإجابة عن هذه الأسئلة فيما يلي:

    الذات الإلهية:

    1-1- الذات الإلهية:

    لقد بيّن القرآن بوضوح أنّ العقل البشري لا يمكن أن يحيط بالذات الإلهية لأنّ مَن خلق وسائل الفهم يمكنه بالتأكيد فهم البشر الذين خلقهم، لكنّ هذه الوسائل المخلوقة لا يمكنها أن تحيط بمن يحيطها.

    2- صفات الله

    1-2- صفات الله:

    إذا كان الكائن البشري عاجزاً عن فهم الذات الإلهية، فإنه يبقى قادراً على فهم صفات الله إلى حدٍّ ما، لأنّ بعضها موجود فيه وإن على نطاق ضيّق جدّاً، فقد منح الله الإنسان بعضاً ممّا اتصف به من المعرفة والقوة والعناية والحكمة والرحمة. وبهذا يستطيع الإنسان أن يمتلك فكرة مماثلة عن صفات الله، فعندما يذكر القرآن أن الله هو الخالق والقادر والرحمن والرحيم والعليم والحكيم والأول والآخر والظاهر والباطن، فإننا نكون قادرين على تحصيل تصور أو مفهوم عن صفات الله.

    وممّا يجدر الالتفات إليه عند فهم هذه الصفات هو جانب الروعة والجمال منها، لأنّ القوة لا تستحق المدح إلّا إذا اقترنت بالرحمة والشفقة والعدل، ولا يستحق الغضب والانتقام والسُّخط والضراوة الثناءَ إلّا إذا كانت لدفع الظلم والعدوان، ولا تكون الرحمة والمغفرة والكرم جديرة بالإشادة والثناء إلّا إذا كانت في محلّها. وذكر صفة الحميد مع الغنّي، والحكيم مع العليم، والغفور مع العزيز في ثنايا القرآن يميل بنا إلى ناحية الروعة والتوازن.

    ومهما كان تصورنا عن الله، لا يمكن أن يخلو من إحدى صفات ثلاث: الجلال والجمال والكمال: وصفات الواحد والأحد والصمد تندرج تحت نطاق الكمال، وصفات القدّوس والسلام والمؤمن تندرج تحت نطاق الجمال، أمّا صفات المَلِك والعزيز والجبّار فهي تنتمي إلى الجلال. وتثير صفات الجلال الخوف والوقار والثناء في الإنسان، وتثير صفات الجمال الحمد والحبّ لله، وتبعث الأمل في النفس، وتخاطب صفات الجلال الحواس، وتخاطب صفات الجمال العقل والقلب، وإذا كان الله موضع اعتبار وتأمل عند الإنسان، فإنّ صفات الجمال هي التي تسود الموقف. أما الروح الإنسانية فإن صفات الجلال هي التي تناسبها، وحين يخاف الإنسان الله يفزع إليه ويبحث عن ملجأ في محراب الجمال. وعندما يقول القرآن: إنّ كلّ الأسماء الحسنى هي أسماؤه، فهذا يعني أنّ كلّ اسم يصور جلاله وجماله وكماله هو اسم حسن يُمكن أن يُطلَق عليه ويُنادَى به.

    تتّضح عظمة الله بما يتصف به من الكمال. وعندما يكتسب المرء الفهم الصحيح لها، لا بدّ أن يؤمن بالله الواحد الذي لا مثيل له، والمتفرد في وحدانيته. وهو مأوى الجميع وملجؤهم. إنّه مالك السماوات والأرض وما بينهما. لا أحد ينازعه مُلكَه، ولا شريك له في إدارة شؤون الكون، لا يَخفَى عليه أمر، ولا شيء خارج نطاق حكمه وأمره. وكلّ شيء فقير إليه ويحتاجه، وهو ليس فقيراً إلى أحد أو إلى جماد أو حيوان أو نبات. كلّ الكائنات والمخلوقات تسجد له وتُسبِّح بحمده وتمجِّد عظمته. قوته جبارة، وهو شامل واسع الإحاطة، وكلّ جزء من هذا الكون خاضع لإرادته. ويمكنه، متى أراد، أن يُفنِي كلّ شيء ثم يُعيد خلقه متى شاء. يُذِلّ من يشاء، ويُعِزّ من يشاء. كلّ شيء هالك وهو الخالد الوحيد. إنّه خارج نطاق كلّ نطاق. لكنّه أقرب إلينا من حبل الوريد. علمه وحكمته يشملان كلّ شيء، وهو يعرف خافية الصدور. إرادته فوق كلّ إرادة، وأمره فوق كلّ أمر. إنّه خال من كلّ شائبة وعيب، ومُنزَّه عن كلّ نقيصة، وبعيد عن كلّ ادعاء.

    تحتل صفة التوحيد من بين صفات الكمال الأهمية القصوى، ولذا فقد منحها القرآن القسط الأوفر من الشرح والتوكيد إلى حدِّ أنّ السورة التي انتهى بها القسم الأخير من القرآن توجِّه النبي (ص) إلى إعلان مفهوم التوحيد أمام الناس جهاراً، فجاءت سورة الإخلاص: ﴿قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد﴾.

    وكان القرآن، بسبب أهمية صفة التوحيد، قد نصّ صراحة على أنّه لا يُقبل أي عمل من أعمال الإنسان دون الالتزام بها. وإذا التزم الشخص بها، يكون لديه أمل في أن تغفر كلّ خطيئة، ولا يُغفر أي ذنب دون الالتزام بها. وسبب ذلك أن الإنسان لا يمكن أن يظلّ مُصِرّاً على ذنبه بعد أن يؤمن بعقيدة التوحيد، فإذا سوّلت له نفسه أن يذنب، فإنَّ رحمة الله وبركته ستدفعانه إلى التوبة وطلب مغفرة الله، وكلّ مَنْ هو على شاكلة هذا المؤمن سيلجأ حتماً إلى الله بحيث يصبح مؤهَّلاً للعفو والمغفرة يوم القيامة.

    إنَّ دلائل التوحيد الواردة في القرآن جدّ راسخة ومبنية على حقائق ثابتة ومُستمَدَّة من المعرفة والعقل. وهنا يكفي أن نعرف أنَّ الحُجّة المستخدَمة لإبطال نظام تعدد الآلهة (الشِّرك) هي أنّه لا يوجد أحد لديه أساس فكري يخوّله الإشراك بالله. وقد طلب القرآن من مخاطَبيه، في أكثر من آية وموضع، تقديم أي حُجّة أو برهان يثبت صحة الشِّرك سواء أكانت تعتمد على أساس عقلي أو نقلي عن مصادر إلهية. والله وحده يُعلِمُنا إن كان له شركاء في الخلق أم لا. والسبيل الوحيد لمعرفة مشيئة الله في هذا الصدد هو أنَّ الكتب السماوية الموحَى بها، والأعراف والمرويّات التي كانت قد انتقلت من أنبيائه ورسله جيلاً بعد جيل، لا يحتوي أيٌّ منها على دليل يثبت تعدد الآلهة، وليس فيها ما يدلّ على صحة الشِّرك بأيّ شكل من الأشكال.

    3- المعاملات والممارسات المتّبَعة: (سُنَن التعامل):

    1-3- المعاملات والممارسات (السُّنَن)

    إنّ الأسلوب الذي يتّبِعه الله في التعامل مع عباده يُسمَّى بحسب الاصطلاح القرآني (سنّة الله)، ويقول الله تعالى إنّها سُنَن ثابتة غير قابلة للتغيير. وإذا كانت معرفة صفات الله أمراً ضرورياً، فإنّ معرفة سُنَّته لا تقلّ عنها ضرورة من أجل أن يعرف الإنسان خالقه حقَّ المعرفة.

    وفيما يلي شرح مُفَصَّل لسُنن الله:

    أ- الابتلاء والاختبار.

    أ-الابتلاء والتجربة

    لقد خلق الله هذا العالَم ليضع الناس جميعاً موضع الاختبار، وهذه الممارسة العملية هي ظاهرة كونية تشمل البشرية كلّه، إذ يطفو بها على سطح النفس ما كان مخبوءاً تحتها، ويظهر كلّ ما هو متأصل في الطبيعة البشرية نتيجة هذه التجربة، وتتكشّف بفضلها أسرار الشخصية الداخلية بمختلف مستوياتها سواء ما تعلق منها بالمستوى الأيديولوجي أم بمستوى السلوك العملي. ويرى القرآن أنّ الله خلق الموت والحياة ليحكم على الناس، ويفصِل بين من تمرّد وخرج على طاعة الخالق، وبين من امتثل لها. وليس هناك من شكٍّ في أنّ الله عليم بكلّ شيء، ولكنّه اختطّ لنفسه سُنّة، وهي أنّه لا يكافئ الناس ويثيبهم أو يعاقبهم على أساس علمه فقط، بل على العكس، فإنّه يفعل ذلك على أساس أعمالهم. ولهذا الغرض بالذات، طبّق على الأرض نظام الابتلاء والاختبار.

    إنّ ما يمرّ به الإنسان في هذا العالم من شقاء وهناء، وفقر وغنى، وحزن وسعادة، محكوم بتلك السُّنَة الإلهية. وحين ينعم الله على عبده بالمال والجاه، فإنّه يختبر امتنانه وعرفانه. وحين يحلّ به العوز والمشقّة، فإنه يختبر صبرَه وجَلَده.

    ب- الهدى والضلال.

    ب- الهدى والضلال

    إنّ المتوخّى من هذا الابتلاء هو أن يُحصِّن المرء نفسَه من الضلال، وأن يسلك منهج الهدى سلوكاً واعياً. والهدى من المنظور القرآني هو فطرة إنسانية متأصّلة في طبيعة الشخص ذاته، إذ حين يبلغ مرحلة النضج العقلي يرى من آيات السماء والأرض ما يوجّه عنايته إلى الهدى. وإذا كان الإنسان يقدر هذه الهدى، ويعتز به، ويستفيد منه، ويشكر ربه عليه، فإنّ مِن سُنّة الله أن يزيد له نوره، ويخلق في داخله الرغبة في المزيد من الهداية. ونتيجة لذلك يمنحه القدرة على الاستفادة من الهدى الذي جاء به أنبياء الله.

    أمّا إذا أعرض الإنسان عن إعمال عقله، وحاد عن هدى الإيمان، وتجنّب الحقّ متعمّداً، فإنّ القرآن يسمي ذلك الظلم (ظلم النفس) والفِسق (الخروج عن طاعة الله)، ولا يهدي الله أبداً من أمعن في ظلم نفسه، ودأب على الفِسق. بل يتركه يعمَهُ ويتخبّط في ظلمات الضلال.

    ج- توجيهات التكليف بما لا يُطاق.

    ج- التكليف بما لا يُطاق

    لا يكلفّ الله البشر – حسب شرائع أنبيائه – تكليفاً يفوق حدود قدراتهم. ويجب التحقُق وفق أوامر الله من عدم تحميل الناس ما لا طاقة لهم بحمله، وأن تُراعى في ذلك حدود قدرتهم على الاحتمال. ولهذا، فإنّ الإنسان لا يخضع للحساب والمساءلة إذا ارتكب ذنباً بسبب النسيان أو الالتباس في الفهم أو الغفلة والسهو. وكلُّ ما يشترطه الله على عبده هو اتباع أوامرِه وتحاشي نواهيه بصدق وأمانة تامَّين. ولكنّ هذا لا يعني أن ينتهج الإنسان مسلك العصيان متذرِّعاً بعدم قدرته على احتمال النهج المقابل. ولا بدّ من أن ننتبه في هذا السياق إلى أنّ الله قد يكلّف الإنسان بما لا يُطيق بقصد تأنيبه وتهذيبه وإصلاحه، أو معاقبته، أو إظهار عواقب الأفعال الشريرة، أو توعية الناس وتبصيرهم بعجزهم أمام جبروت الذات الإلهية.

    د- نشوء الأمم وسقوطها.

    د- صعود الأمم وسقوطها

    إنّ ما ينطبق على الأفراد وفق قانون الابتلاء المذكور ينطبق أيضاً على الأمم، فإذا كان الله قد أخضع الأفراد لاختبار الصبر عند الشدائد والامتنان عند الرخاء، فإنّه يرخي، أيضاً، العنان لأمة ما، ويهيّئ لها الظروف لتنهض وتتطور حتى تتبوّأ أعلى منزلة بين الأمم. فإذا انحدرت إلى الحضيض أخلاقيّاً وعلميّاً، تقضي سُنَّة الله، عندئذٍ، أن يذلَّها ويهوي بها إلى مصيرٍ مذموم، ولا تستطيع أيّ أمة أخرى أن تمدّها بالعون أو تساعدها ضدّ إرادة الله. وتاريخ البشرية كلّه شاهد على هذه السُّنَّة المتعلقة بنشوء الأمم ثم سقوطها.

    هـ- العون الإلهي (النُّصرة).

    هـ- المَدَد الإلهي (النصرة)

    عندما يعهد الله إلى فرد أو جماعة بمهمة من مهماته ويأمرهم بإنجازها، فإنه يمدّهم بالعون. ويمكن أن تتمثل هذه المهمة بالدعوة ونشر رسالته، ويمكن أن تتعلق أيضاً بالجهاد والحرب. وقد آلى الله على نفسه أن ينصر من كلّفهم بتلك المهمة من المؤمنين. لكنّ هذا العون الإلهي لا يأتي على نحو عشوائي، بل يقوم على مبدأ مذكور في القرآن، ووفقاً لهذا المبدأ يتلقى الناس هذه المساعدة من الله.

    و- الندم والتوبة.

    و- الندم والتوبة

    إذا ارتكب الإنسان ذنباً، تبقى لديه فرصة للتوبة. والقاعدة المتعلقة بهذا الشأن أنه إذا تاب الإنسان بعد الذنب مباشرة، فإنّ الله يغفر له ذلك الذنب. ولكنّه لا يغفر لمن ينغمس في ذنوبه، ويغوص فيها عميقاً طوال حياته، حتى إذا ما شعر باقتراب الموت تاب وطلب المغفرة. وبالمثل، فإنّ الله لا يغفر أيضاً لمن يتعمّد إنكار الحق ويستمرّ في إنكاره حتى الموت.

    ز- الثواب والعقاب.

    ز- الثواب والعقاب

    الثواب والعقاب في اليوم الآخر من الحقائق اليقينية المؤكَّدة، ولكنّ القرآن يوضّح أنّهما يحدثان أحياناً في الدنيا أيضاً؛ فالعقاب الدنيوي الأصغر هو مقدمة تمهِّد ليوم الحكم الأكبر في اليوم الآخر. والأشكال المختلفة التي يتّخذها الثواب والعقاب، قد بيّنها الله في القرآن على النحو التالي:

    أولاً: إنّ من لا همّ لهم إلّا التكالب على ملذات الدنيا، ويعيشون ويموتون من أجلها، ولا يحفلون بالآخرة، يمدّ الله لهم، ويسبغ عليهم من النعم والخيرات ما لا يُحصيه عدد، ثم يصفيّ حسابه معهم في هذه الدنيا بالذات، ويكافئهم أو يعاقبهم على أساس أعمالهم في هذه الدُّنيا.

    ثانياً: أولئك الذين يرفضون رسولهم وينكرونه، بعد إبلاغهم بالحقيقة وقيام الحُجّة عليهم، حتى لا يبقى لهم عذر، فإنهم يُعاقَبون في هذه الحياة الدنيا، على عكس أولئك الّذين آمنوا به، إذ إنّ بركات الله تشملهم في جميع جوانب حياتهم.

    ثالثاً: وعد الله ذرّيّة إبراهيم (عليه السلام) بأنهم سوف يقودون جميع الأمم الأخرى إذا تمسكوا بالحقّ، وأوعدَهم بالحرمان من هذا الدور، وبإنزال عقوبة الإذلال والعبودية عليهم إذا حادوا عنه.

    الإيمان بالملائكة.

    2- الإيمان بالملائكة

    تُسمَّى الكائنات التي يرسل الله تعالى من خلالها أوامره وتوجيهاتِه إلى خَلقه (الملائكة). ويستخدم القرآن كلمة (ملائكة)، وهي جمع لكلمة مَلَك التي تعني الرسول. وبذلك، يتضح من القرآن أنّ تلك الكائنات هي الواسطة التي يتم من خلالها الربط والاتصال بين الناس في هذا العالم وبين الله، ويدير الله سبحانه وتعالى شؤون هذا العالم من خلالهم. أمّا الطريقة التي يتم بها ذلك، فهي أنّ أيّ توجيه يتلقونه من الله سبحانه وتعالى يتمّ تنفيذه من قبلهم كمرؤوسين مطيعين له. ينقلون أوامر الله بحذافيرها، بغضّ النظر عن نواياهم وسلطتهم، لأنهم تجسيد للطاعة الكلية. وهم منشغلون طوال الوقت بالتسبيح بحمد الله وتعظيمه، ولا يعصونه أبداً.

    الإيمان بالأنبياء.

    3- الإيمان بالأنبياء

    الأنبياء هم الذين ينقل الله بواسطتهم نور الهداية إلى البشرية، وهم من البشر الذين اختارهم الله لهذا الغرض على قاعدة علمه الكليّ وحكمته المطلقة. وتأسيساً على ذلك فالنبوة هبة إلهية، لا يمكن اكتسابها بالتدريب والجهد الذاتي، بل تُمنَح لمن صان نفسه من إغواء الشيطان ووسوسته، ونأى بنفسه عن الذّنوب، وسار في قومه سيرة الصلاح والتقوى.

    أرسل الله لكلّ قوم نبيّاً، وقد ابتدأت سلسلة النبوة بآدم الذي وعده الله بهداية نسله عن طريق الوحي الذي أنزله على هؤلاء الأنبياء الذين كانوا يرشدون الناس إلى الحقّ والهدى، ويحملون البشرى بالجنة لِمَن آمَن بالحقّ، ويُحَذّرون أولئك الذين لا يؤمنون به من مصير مروّع.

    لم يكن الناس في الأزمنة السحيقة في حاجة إلى الأنبياء ليعرفوا الله، ويميزوا بين الخير والشرّ، لأنّ تلك الحقائق متأصلة في الطبيعة البشرية وقد فُطِرت عليها، وهكذا لم تنشأ الحاجة إلى الأنبياء لإبلاغ الناس بتلك الحقائق، بل نشأت لسببين آخرين هما:

    أولاً: بعث الله الأنبياء لإتمام هداية الناس وتذكيرهم بما هو متأصِّل في طبيعتهم إجماليا ، وبما كانوا قد عرفوه أصلاً في أعماقهم، ولتذكيرهم أيضاً بالتفاصيل اللازمة لذلك الهدف.

    ثانياً: بعثَهم الله لإتمام الحجة، وإيقاظ الناس من سبات الجهل. فبعد تقديم الحُجّة المستمَدَّة من العقل والعلم، يقدم الله عبر رسله حُجّة أخرى حتى لا يترك عذراً لأحد يبرِّرُ به إنكار الحقّ.

    لقد تحقق هذان الهدفان على المستوى الكوني، وبلغا أعلى درجات الإنجاز من خلال نبوة مُحَمَّد (ص) الذي انتهت به سلسلة النبوة حين صرّح القرآن أن مُحَمَّداً هو خاتم الأنبياء، وأنّ لا نبيّ بعده.

    ليس هناك من عاقل يجد صعوبة في تعرّف الأنبياء. فإذا ما كان الإنسان يمتلك تفكيراً سليماً، وتزوّد بعقل بصير وقلب متيقظ، فإنه يدرك أنّ النبيّ بحدّ ذاته هو معجزة، والله، بالإضافة إلى ما سلف، يبارك أنبياءه بآيات وبيّنات مقنعة، هي من الكفاية بحيث إذا لم تستطعْ دفع المكابرين إلى الاعتراف بهم صراحة، فهي لا تدعُ لأحدٍ عذراً لإنكار صدقهم. ويتضح من القرآن أنّ هذه الآيات متنوعة، وتختلف باختلاف الأزمنة والظروف، وسنذكر بعضها فيما يلي:

    1. يبُعَث النبيّ، على وجه العموم، وفق نبوءة نبيّ سابق له، ونبوءة النبيّ الجديد هي تصديق وإنجاز لنبوءة القديم، ولهذا السبب، فإنّه ليس شخصية مجهولة، بل يعرفه الناس وينتظرون ظهوره. ومن المعروف أنّ النبيّ يحيى (عليه السلام) قد بشّر بظهور عيسى (عليه السلام)، وانتشر هذا الخبر في كلّ أنحاء القدس كما ورد في التوراة. والنبوءات المتعلقة بظهور مُحَمَّد (ص) مذكورة في العهدين القديم والجديد؛ وأحد الأهداف الرئيسية لبعثة النبي عيسى هو التبشير بظهور نبي أمِّيّ في الجزيرة العربية، وقد ذكر القرآن دليلاً حاسماً على صحتها أنّ علماء بني إسرائيل يعرفون القرآن بالطريقة التي يعرف فيها أبٌ مهجور ابنه الموعود الذي طال انتظاره، ما يعني أنّهم كانوا يعرفون النبيّ مُحَمَّداً (ص) معرفة تامة.
    2. لا نجد تناقضاً أو تفكّكاً في كلِّ ما يتلقاه النبيّ من وحي أو رسالة إلهية، وحتى أولئك الذين بلغوا أعلى درجات العبقرية في العالم كسقراط وأرسطو، وكانت وآينشتين، وغالب وإقبال، والرّازي والزمخشري، لا يمكنهم أن يدّعوا أنّ إبداعاتهم قد ارتقت إلى مستوى الوحي الإلهي من حيث التماسك والانسجام. ولهذا قدّم القرآن نفسه، وأكّد أنه يخلو من أيّ أثر للتناقض في رؤيته الفكرية الفلسفية والأيديولوجية التي يقدمها، وليس ثمة أدنى درجة من درجات التغيّر والتطور في أسلوبه البلاغي يمكن أن يتحرّاها أحد. فهل يمكن لامرئ أنفق سنوات مديدة وهو يبدع خطابات حول موضوعات متنوعة في أحوال وظروف متباينة، وعندما تُجمَع هذه الخطابات من البداية إلى النهاية تشكل خطاباً واحداً متماسكاً ومتناسقاً دون أن يخلوَ من تناقض في الرؤى، ودون أن يعكس آثار التغيّرات المزاجية لصانع ذلك الخطاب، ودون أن تخضع آراؤه للتغيّر والتبدّل؟ هذا هو المستحيل بعينه، لأن القرآن وحده هو الذي امتلك هذه الخصيصة وتميّز بها.
    3. ينعم الله على أنبيائه بالمعجزات، وقد بيّن القرآن أنّ معجزات عيسى (عليه السلام) وموسى (عليه السلام) شواهد ودلائل على الرسالة الإلهية لكلٍّ منهما. وهي من الوضوح والإتقان بحيث لا يمكن الادّعاء بأنها مجرّد سحر وخدعة، لأنّها معروفة عند خبراء السحر العارفين بهذه الأمور، وما وُصِف بأنه سحر إنّما هو في الحقيقة معجزة إلهية خارقة.

    إنّ المعجزة التي منحها الله لمُحَمَّد (ص) لإثبات نبوّته هي القرآن. والمطّلعون على اللغة العربية وبلاغتها وأساليبها الأدبية يدركون أنّ هذا الكتاب ليس منتَجاً بشريّاً، بل هو إبداع إلهي مُعجِز. ولهذا فقد تحدّى القرآن في أكثر من آية مَن ينكر أصل القرآن السماوي، ويعتبره تلفيقاً بشريّاً أن يؤلّف سورة واحدة تضاهي أسلوب القرآن المهيب وتفوقه البلاغي. فإذا كان بإمكان شخص من بينهم أن يُنتج مثل هذا الخطاب دون أية خلفية أدبية أو علميّة، وأن يأتي بمثل القرآن، فليفعل ذلك.

    ما زال كتاب الله محفوظاً بعد مرور أربعة عشر قرناً على نزوله. وقد خضع العالم خلال هذه الفترة الطويلة إلى تغييرات هائلة، قدّم الإنسان خلالها كثيراً من الأيديولوجيات والأفكار التي تعرضت للدّحض والنقض والنقد بعدما كانت تعتبر صحيحة في نظر مبدعيها ومعتنقيها، كما أبدع الإنسان نظريات علمية حول الكون والإنسان كانت في زمن سابق صحيحة وثابتة في نظر الذين أبدعوها واطّلعوا عليها، ثم أصبحت في زمن لاحق موضع شكّ وريبة إلا القرآن؛ فهو الكتاب الوحيد الثابت الذي لا يرقى إليه شكّ الآن مثلما لم يكن يرقى إليه شكّ قبل أربعة عشر قرناً. وقد توصل دارسو القرآن إلى هذا الحكم الثابت بالنظر إلى الحقائق المتنوعة، التي قدّمها أو بالنظر إلى الأخبار عن وقائع ماضية ومستقبلية تقع خارج نطاق الحسّ، ما يثبت أنّه النص الوحيد الذي صمد أمام امتحان الزمن. والعالم، رغم الاكتشافات العلمية المذهلة، فشل في تقديم بديل أفضل للآراء التي يقدمها القرآن.

    1. يُعلِمُ الله سبحانه وتعالى النبيّ ببعض الأشياء المجهولة التي يستحيل معرفتها لأيّ إنسان آخر. وأحد الأمثلة على ذلك هو التنبؤات التي قدّمها الوحي الإلهي وتحققت إلى أقصى حدّ. وبعض هذه النبوءات مذكور في القرآن، وبعضها في الأحاديث المروية. فكلّ دارس للقرآن يدرك التنبؤات المتعلقة بالوقائع المستقبلية التي وقعت في الجزيرة العربية، وغلبة النبيّ مُحَمَّد (ص)وانتصاره فيها، وفتح مكة، ودخول الناس في دين الإسلام أفواجاً. وهناك نبوءة عظيمة أخرى قدّمها القرآن، إذ تنبّأ بانتصار الروم على الفرس بعد أن كانوا قد هُزِمُوا أمامهم.

    لنستمع إلى ما يقوله إدوارد جيبون تعليقاً على تلك النبوءة: «ما من نبوءة يمكن أن تكون أبعد عن التحقق منذ أن أنبأت السنوات الاثنتي عشرة الأولى من حكم هرقل باقتراب نهاية الإمبراطورية الرومانية»6. وقد وقعت النبوءة – حقّاً – في الوقت المُحَدَّد لها، إذ عاد الإمبراطور الروماني في آذار سنة (628م) إلى القسطنطينية محاطاً بمظاهر الأبّهة والفخامة، إذ كانت تُقِلُّه عربة تجرّها أربعة أفيال، وقد وقف حشد من الناس خارج المدينة يحملون المصابيح وأغصان الزيتون لاستقباله استقبال الأبطال.

    1. الرسل هم رموز العدالة الإلهية في هذا العالَم، وهم يقرّرون مصير شعوبهم في الدنيا قبل الآخرة، والطريقة التي يتم بها ذلك هي أنّ الرسل إذا التزموا بميثاقهم مع الله فسيكافَؤون في الدنيا، وإذا حادوا عنه تعرّضوا للعقاب. وفي النتيجة يصبح وجود هؤلاء الرسل علامة من علامات الله، أو آية إلهية يتراءى للناس أنها تمشي على الأرض مع هؤلاء الرسل لإقامة العدالة، وهم يصبحون بهذه الصفة قوة بيد الله لإنفاذ قضائه وقدره. ويمنح الله الغلبةَ لهؤلاء الرسل، ويُعاقِب أولئك الذين ينكرون رسالتهم ويرفضونها.

    لقد أمر الله الناس أن يطيعوا النبي، وأوضح أنّ الناس ينبغي ألّا يقتصروا على تبجيله بالقول فقط، بل عليهم إظهار آيات الطاعة له أيضاً. فهو لم يُرسَل إلى الناس ليعاملوه كنبيّ فقط ثم يزورّون عنه بعد ذلك، وهو ليس مجرَّد شخص يُدلي بآرائه، وينصح بمواعظه فقط، بل هو مرشد وهادٍ في جميع شؤون الحياة، ولذلك يجب اتّباعه وطاعته دون أي تردّد.

    وعلاوة على ذلك، فإنّ طاعة النبي ليست مُجَرّد طقوس وشعائر، بل يتطلب القرآن من المؤمن أن يطيعه بروح الامتثال والصدق والتبجيل وبإخلاص تامّ.

    6. ) إدوارد جيبون، انحدار وسقوط الإمبراطورية الرومانية، المجلد 2 (نيويورك: المكتبة الحديثة، دون تاريخ)، ص788.

    الإيمان بالكتب السماوية.

    4- الإيمان بالكتب السماوية

    كما بُعِث الأنبياء لهداية البشر، فإنّ الله قد أنزل كتبه إليهم لتحقيق الغرض ذاته، والهدف من وراء ذلك أن يحمل الناس معهم، أينما حلّوا – نور الهدى مصاغاً في كلمات مكتوبة، حتى يستطيعوا أن يفصلوا بين ما هو حقّ، وبين ما هو باطل، وأنْ يحلّوا خلافاتهم من خلالها ملتزمين بهذا الأسلوب لتحقيق العدالة في شؤون الدين.

    وإذا عدنا إلى التاريخ الأقدم، نجد أنّ التوراة كان يتألف من مجموعة من الكتب، كلّ كتاب منها مُنِح لنبيّ بشكل أو بآخر، والقرآن نفسه يذكر الكتب السماوية السابقة (التوراة، والإنجيل، والزّبور، وصحف إبراهيم وموسى) ويطلب من المسلمين أن يؤمنوا بها.

    هناك أربعة كتب تتميّز بأهمية قصوى دون الكتب الأخرى، وهي التوراة والزّبور والإنجيل والقرآن، أوحى بالأول إلى موسى، وبالثاني إلى داوود، وبالثالث إلى عيسى، وبالرابع إلى مُحَمَّد خاتم الأنبياء، وهو الكتاب الذي ينفرد دون الكتب الأخرى بأنه ما زال محافِظاً على صيغته الأصلية وشكله ولغته ترتيب أجزائه دون أن يعتريَه أيّ تغيير مهما كان طفيفاً.

    الإيمان باليوم الآخر.

    5- الإيمان باليوم الآخر

    الإيمان بيوم الدين واحد من أهمّ أركان الإسلام، ويحتلّ مكانة بارزة في مهمة الأنبياء الدعوية. وتبني أركان الشريعة والفضيلة والصلاح والنبوة على هذا الأساس من الاعتقاد. والنبوّة مبنيّة عليه أيضاً، فقد سُمِّي النبي نبيّاً لأنه يتنبّأ بهذا النبأ العظيم، وسُمي الرسول رسولاً لأنّه مكلّف برسالة، والقرآن هو نذير وبشير ليوم الدين.

    إنّ الطريقة التي يستيقظ بها الناس من نومهم، والطريقة التي يحيي فيه المطر الأرض المَوات، والطريقة التي يتكون فيها إنسان كامل من قطرة أو نطفة من مني هي الطريقة ذاتها التي سينهض بها الأموات من قبورهم يوماً ما، ولن يتطلب ذلك من الله أيّ مشقة. وعندما يُعَبِّر مَنْ يخاطبهم القرآن عن تعجبهم من إعادة إحيائهم بعد مماتهم، فإنّهم يسألون سؤال المتعجِّب المنكِر: «مَن يحيي العظام وهي رميم؟» فيجيبهم القرآن: «يحييها الذي أنشأها أوّل مرة». والعملية كلّها سهلة ويسيرة عند الله مثل نطق كلمة بالنسبة إلينا.

    وقد وصف القرآن والسُّنَّة الشواهد والعلامات والمواقع والأحداث التي تجري في هذا اليوم المهول على النحو التالي:

    1- دلائله وبيّناته.

    5-1- دلائله وبيّناته

    الشاهد الأول هو وعي الإنسان بالخير والشرّ. وبفضل ذلك الوعي، فإنّ ضميره يؤنّبه عندما يقترف الذنب. وهو محكمة عدل صغيرة في أعماق كلٍّ منا تُصدِر أحكامَها النزيهة في كلّ وقت. والإنسان قادر على سماع هذا الحكم بوضوح بعد كل زلّة ترد في خاطره أو أعماله سواء قبل به أم لم يقبل. ويستمر على ذلك حتى يتورط في الشرّ إلى الحدّ الذي يحيط بكيانه، وبذلك يهدهد نداء الضمير الذي لا يلبث أن ينام. هذا التأنيب العميق هو شهادة ذاته الداخلية التي تسمّى شهادة (النفس اللوّامة) التي يشير إليها القرآن ليخبر الإنسان أنّه لن يهرب من الحساب على كلّ ما يفعله، ويجب عليه أن يعرف أنّ محكمة الضمير الصغرى هي مقدّمة تمهّد لمحكمة كبرى في يوم القيامة، إذ يحاسب الله الناس على أعمالهم حساباً يكون فيه العقاب والثواب من جنس العمل.

    والشاهد الثاني هو طبيعة الإنسان التي جُبِلت على حبّ العدل وكراهية الظلم. ورغم كراهية الظلم، فما زال الإنسان يقترفه، ليس بسبب عجزه عن التمييز بين هذين النقيضين، أو بسبب حبّه الظلم، بل بسبب فقده التوازنَ والاتزانَ تحت تأثير غرائزه وعواطفه. وكلّنا يعرف أنّ الإنسان عموماً يكيل بمكيالين: تُسوّل له نفسه أن يسرق ويقتل ويطفّف في الميزان، ولكنّه لا يقبل أن يكون هو نفسه ضحيةً للممارسات نفسها؛ فإذا سألنا اللصوص والقتلة والمحتالين عن أعمالهم أقرّوا بذنوبهم، وتمنّوا زوال أسبابها، وهكذا لا يمكنُ لأحد بكامل قواه العقلية أن يساوي بين الخير والشر، وأن ينظر إليهما بعين واحدة. يقول القرآن تصديقاً لذلك: ﴿أفنجعلُ المسلمين كالمجرمين، ما لكم كيف تحكمون﴾7.

    والشاهد الثالث هو النقص الموجود في الإنسان والكون كليهما، فمهما كان المنظور الذي نرى به الأشياء، فمن الواضح أنّ قوة الخالق وحكمته تتجليان في كلّ جزء منهما. ثمة دلالة رائعة في كل ذرّة، ونظام وتسلسل لا نظير لهما، وكمال وتناسق ضمن أبعاد رياضية وهندسية منقطعة النظير، ورعاية استثنائية، وجمال بديع، فكلّ ذلك يُذهل العقل. وإذا حاول المرء من جهة أخرى أن يفهم الكون والإنسان بالإجمال رأى فيهما نقصاً وافتقاراً إلى الهدف، ويواجه في هذا السياق احتمالين: الاحتمال الأول أن ينظر إلى هذا العالم نظرته إلى شيء خالٍ من المعنى، وينتهي إلى أنّه عمل صانع عابث يلهو ويلعب فقط، والاحتمال الثاني أن يفهمه بوصفه جزءاً من مجموع مؤتلِف مع يوم الحساب ومملكة الله السرمدية التي شهد عليها الأنبياء وصرّحوا بها. ونسأل هنا: ما هو حكم العقل بهذا الصدد؟ هذا أمرٌ يمكن لكلّ إنسان أن يفهم مراميه.

    الشاهد الرابع هو أنّ الوقع المؤثر للصفات الإلهية ملموس في كل ذرّة من هذا الكون، وأنّ عناية الله ورحمته جديرتان باهتمام المرء الذي ينبغي له أن يسأل: كيف لإنسان ذي عقل شهد التدبير الإلهي الذي شمله بالرعاية والتنشئة أن يتوقع من الله إعفاء عبده من الحساب؟ وكيف لله الرحمن الرحيم ألّا يعاِقب مَن جعل الدنيا مرتعاً للظلم والعدوان؟ ولهذا أشار القرآن في غير موضع إلى أنّ حساب الآخرة هو نتيجة لعناية الله ورحمته وقوته وحكمته. وكيف لامرئ أن يجحد ذلك بعد اعتناقه الإيمان؟

    والشاهد الخامس هو الحساب الإلهي في الدنيا بواسطة الرّسل الذين باركهم الله بمعجزات خارقة، وأيّدهم بروح القدس جبريل، ثم أقام من خلالهم محكمة أرضية صغرى على غرار المحكمة السماوية الكبرى، بغرض إثبات وجود الله ويوم القيامة بالأسلوب ذاته الذي يتم به إثبات صحة الحقائق العلمية من خلال الأدلّة التجريبية في المخابر العلمية. وبات من الواضح بعد ذلك أنّ لا عذر لامرئ في جحود الحق.

    والمنهج المتّبع في عرض ذلك الدليل هو أنّ الرسل أبلغوا الناس بالحقّ، ثم صرّحوا أنهم سيعقدون لهم محكمة عادلة بتفويض إلهي. وسيكون الثواب والعقاب على أساس الإيمان والعمل في الدنيا، وكما أنّ القوانين الفيزيائية تثبت صحتها مهما حدث من تغير في أحوال المادة، فإنّ قانون الله الأخلاقي ستثبت صحته أمامهم بحيث يقيم عليهم الحُجّة، ولا يترك لهم سبيلاً إلى نكران الحقّ، وهكذا فمَن استجاب لدعوة الرُّسل نال الخلاص في الدنيا والآخرة، ومن أعرض عنها ضُرِبت عليه المذلة وباءَ بالخسران.

    وأيّاً كان القوم الذين ظهرت النبوة بين ظهرانيهم، فهي قد ظهرت في أحلك الظروف وأقساها، وكان ذلك حقيقة تاريخية مدهشة لأنّها وقعت بأسلوب جعل النّاس شهوداً على قيام العدل الإلهي الصارم لكي تمتلئ السماوات والأرض بنفحات جلالته وعظمته. وأبلغنا القرآن بأنّ المرة الأخيرة التي وقع فيها يوم الحساب المصغَّر كان في القرن السابع الميلادي الذي شهد حدثاً تاريخياً مذهلاً، اكتسب أهمية استثنائية لأنّه وقع تحت أنوار التاريخ المعروف، وما تزال أدقُّ تفاصيله ومراحله ماثلةً أمامنا بوضوح. وإذا قلّبنا صفحات التاريخ تراءت لنا أحداثه متجسّدة فوق صفحاته.

    7. ) سورة القلم: 35-36.

    2- أشراطه وعلاماته.

    5-2- أشراطه وعلاماته

    متى يحدث يوم القيامة؟ أخبرَنا القرآن بكلّ وضوح أنّ لا أحد لديه العلم بذلك إلّا الله، وهو وحده يعلم تاريخ وقوعه، ولم يكشف سرّه حتى إلى أنبيائه وملائكته. ومهما يكن من أمر، فثمة علامات ونذُر مذكورة في القرآن والسُّنَّة والكتب السماوية السابقة تُنذِر بحتمية حدوثه. وبعض تلك العلامات عامّ جدّاً، وبعضُها اتّخذ شكل أحداث ووقائع معينة، ولم يذكر القرآن العلامات التي تنتمي إلى الصنف العام، بل ذُكرت في الحديث الشريف فقط. أمّا العلامات التي تندرج تحت الصنف الثاني، فلم يذكر كتاب الله منها إلّا حكاية يأجوج ومأجوج، وهي العلامة الوحيدة المؤكَّدة. أمّا العلامات الأخرى المعروفة عموماً بهذا الصدد، فهي موجودة في الأحاديث التي أثبت علماء الدين صحتها. وبعض هذه العلامات ظهرت من قبل، والعلامات الأخرى ستظهر حتماً في المستقبل إذا كانت نسبتها إلى النبي (ص) صحيحة.

    3- حوادثه وأحواله.

    5-3- حوادثه وأحواله

    كيف سيحدث يوم القيامة؟ إنَّ تفاصيل ما سيقع عند قدوم هذا اليوم مذكورة في عدد من آيات القرآن التي تصوِّر ما سيحدث للسماوات والأرض، وما سيحلّ بالشمس والقمر والكواكب والنجوم، وتصور الموقف الجديد الذي ستواجهه المخلوقات، وكيفية بعث الأموات من قبورهم واحتشادهم أمام الله، وتظهر دراسة الأدب العربي قبل الإسلام أنّ ذوق العرب كان أميل إلى الحكايات الرمزية الأخلاقية من التشبيه البياني، وقد قدّم القرآن بناءً على هذا الاعتبار صورة عن أهوال يوم القيامة بأسلوب بلاغي، هو من الحِذق والمهارة، بحيث يجعل القارئ يشعر بتلك الأحداث، ويراها كأنّها تحدث أمامه.

    وتسلسل أحداث القيامة حسب القرآن يقع على النحو التالي:

    أ- سيكون الناس غارقين في مشاغلهم اليومية الروتينية، هذا يسلك طريقاً، وذاك يقصد سوقاً، وهؤلاء يعقدون اجتماع عمل، وأولئك على الأرائك متكئون في منازلهم، وما من أحدٍ منهم ترد على ذهنه إلماعة خاطر أو وميض فكرة أنّ العالم كلّه ستتزلزل أركانه ويتقوّض بنيانه عند النفخ في الصور. وقد تنبّأ القرآن في عدة آيات بما سيقع لمخلوقات الأرض حين تحدث جلَبَة الفوضى المرعبة والفزع الرهيب. وكلّما حدثت زلزلة أعقبتها أخرى على نحو تُصبح فيه حال الأرض كحال سفينة تُطوّح بها الأمواج العاتية يمنة ويسرة، وستأخذ الرّجفة الناس وقد خطف الرعب بريق أبصارهم ودفع بهم إلى الجنون.

    ب- سيتصدّع في هول ذلك اليوم العالَم الفيزيائي، وستتعالى الصيحة المهولة في كلّ أنحاء الكون، وتتفتت الجبال كالعِهن المنفوش، وتتفجر البحار، وتنزاح المجرّات والأجرام السماوية عن مداراتها وتتصادم، ويذوب بعضها في بعض، ولا يمكن للعقول أن تتخيل هذا الانقلاب الكوني المفزِع الذي هو خارج قدرة اللغة على الإحاطة به. ويظلّ هذا الاضطراب إلى أجَلٍ غير مُسمَّى.

    جـ- تبدأ بعد ذلك المرحلة الثانية التي يتمّ فيها، كما ذكر القرآن، إعادة الخلق؛ فمن وسط الدمار يظهر عالَم مادي جديد تحكمه قوانين فيزيائية جديدة، إذْ إن جميع الأجرام السماوية (الأرض والشمس والقمر والمجرّات التي تتكوّن من بلايين النجوم والكواكب) ستتحول كلّها إلى أرض وسماء جديتين. ويؤكد القرآن أنّ هذه المرحلة الحاسمة ستشهد نفخة بوق ثانية ينهض بها الأموات من أجداثهم، ويُقَدّمون إلى محكمة العدل التي أعدّها الله لهم.

    4- مراحله (أطواره) وأماكنه (مواضعه).

    5-4- أطواره وأماكنه:

    ذكر القرآن أيضاً مراحل القيامة التي يمرّ بها الناس، وأماكن استقرارهم خلال رحلتهم إلى لقاء ربّهم، وهي حقيقة مؤكّدة وحتمية رغم بطء حدوثها. تبدأ المرحلة الأولى بالموت كحتم وقضاء يأتي صباحاً أو مساءً، وفي الطفولة أو الشباب أو الشيخوخة. وقد يأتي الموت المرء وهو جنين في أحشاء أمه، أو بعد مولده من حيث لا يحتسب، وذلك بعد إقامة قصيرة في هذا العالم. والموت هو مسلَّمة بديهية تفرض نفسها على الإنسان شاء أم أبى، ويمكن تعريفه في الرؤية القرآنية بأنّه انفصال شخصية الإنسان الحقيقية (الروح) عن وعائها (الجسد)، أو هو مغادرة الروح الخالدة الجسدَ الفاني. ويتولى قبضَ الأرواح مَلَك قائم على رأس مجموعة من الملائكة، وقد كلّفه الله بهذه المهمّة مثلما تكلِّف أجهزة الدولة أحد موظيفها القيام بعمل يقع تحت نطاق اختصاصه.

    ويصور القرآن عند هذه النقطة ما يحدث لأرواح الذين كفروا بالأنبياء بعد ما أتتهم البينات بصدق نبوءتهم، إذ تتولى الملائكة معاقبة الكافرين بالضَّرب والصفع، متوعدةً إياهم بعذاب رهيب ينتظرهم. أمّا مَن آمن بالأنبياء وبرّأ ذمَّته من شوائب الإنكار والشِّرك والاعتداء على حقوق الآخرين بأيّ وسيلة، فإنّ الملائكة تستقبله بالبشاشة والترحيب وتبشرّه بالفردوس.

    أمّا أماكن استقرار أهل القيامة فتُسمَّى على التوالي: البرزخ، والمحشر، والجحيم والجنة. فالبرزخ هو العالم الآخَر الذي يبقى الأموات خارج نطاقه حتى يوم الحساب، وقد أُطلِقت كلمة (القبر) مجازياً في بعض الأحاديث النبوية للدلالة على ذلك العالم الذي سيبقى الناس فيه أحياء بأرواحهم خارج حدود أجسادهم المادية، ويكون فيه إدراك النفس (الروح) وعواطفها وتجاربها ومشاهداتها مماثلة تقريباً للصور الحُلْمِيّة. ويتضح ممّا ورد في القرآن أنّ الناس الذين حُدِّد مصيرهم تحديداً حاسماً فئتان: فئة الصالحين الذين ثابروا على إيمانهم بالله وينتظرهم الثواب، وفئة المنكرين الذين جحَدوا الحقَّ بدافع الخُيَلاء والغرور، وينتظرهم العقاب، وأمرُ هؤلاء واضح ومحسوم، ولذلك فإنهم لن يخضعوا للحساب والمساءلة، بل سيدخلون مباشرة الجنة أو النار دون أن يخضعوا إلى ما يشبه التحقيق الجنائي الذي يتحرّى الحقيقة قبل إصدار الحكم.

    والمكان الثاني هو المحشَر، إذ يقول القرآن: إنّ الناس سيُبعَثون بعد نفخة الصور الثانية من قبورهم، ويقفون في المحشر، وقد مُنِحَ كلّ واحدٍ منهم روحاً وجسداً جديدين ليكون مؤهَّلاً لمواجهة الله، لكنّ الروح والجسد هذين يحملان سمات الشخصية نفسها التي عاش بها في الدنيا.

    وينقسم الناس في ذلك اليوم إلى ثلاث مجموعات هي: السابقون إلى معرفة الحقّ، والصالحون، والمجرمون. سيَحمِل من ينتمي إلى الفئة الأولى والثانية كتاب أعماله بيمينه. أمّا مَن ينتمي إلى الفئة الثالث فستُربَط يداه خلف ظهره، ويُؤتى كتابَه بشماله من خلفه.

    يصف القرآن الجحيم بأنها ساءت مقرّاً، وهي بئس المصير، وبئس المآل. يصطلي المجرمون بحرِّ نارها، وتتشوّه وجوهم، وتنطفئ عيونهم، وتنسلخ جلودهم، ثمّ تصل إلى قلوبهم فتشويها، وأعناقهم مغلولة، وأيديهم مربوطة بالسلاسل، ويندمون على كفرهم، ويُحرَمون من رحمة الله الذي يُشِيح عنهم، ولا ينظر في وجوههم.

    ويصف القرآن، في المقابل، الجنة بأنّها مأوى الصالحين الفسيح، ومقرّ السعادة الأبدية حيث لا تجتمع فيها الأضداد، ولا يقترن فيها الحزن بالسعادة، ولا القلق بالرضا، ولا المشقة باليسر، ولا العذاب بالنعمة كما تقترن في الدنيا. راحتها سرمدية، ونعيمها دائم، وأيامها ولياليها خالدة، وسلامها أبدي، ومصادر سعادتها لا تنضب، وجمالها لا يُشوَّه، وكمالها لا ينقص. وسيمنح الله فيها عباده الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا يدٌ لمست، ولا أخيلةٌ أحاطت.