Skip to content

Chapter 2: الدين الحقّ

تمهيد:

الدين الحقّ

مصادر الدين.

  1. مصادر الدين:

الدين هو الهدى الذي أوحى الله به أولاً للجنس البشري، ثمّ أنعم به على البشرية بكلّ تفاصيله الأساسية من خلال الأنبياء. وكان مُحَمَّد (ص) آخر هؤلاء الأنبياء. وهو يُعدُّ – بالتالي – المصدر الوحيد لهذا الدين في العالَم. ومن خلاله فقط، يمكن للإنسان أن يتلقى الهداية والإرشاد الإلهي، والدين الحق هومايقرره محمد صلى الله عليه وسلم من خلال قوله وفعله وتقريره و موافقاته الضمنية2 انه دين إلى يوم الدين.

لقد أُعطي هذا الدين الإلهي للأمة منقولاً عن النبي مُحَمَّد (ص)، كما أجمع3 عليه الصحابة بالتواتر القولي والفعلي4، في صيغتين هما: القرآن والسُّنَّة.

  1. القرآن: هو الكلام الذي أوحى به الله إلى مُحَمَّد (ص) خاتم الأنبياء، وظلّ منذ ذلك الحين حتى الآن بحوزة الأمة التي أجمع أبناؤها بأنّ هذا الكتاب بالذات هو الذي أنزِل على النبي (ص)، وهو الذي سلّمه وبلّغه إلى صحابته (رض) بإجماعهم من خلال التواتر القولي والفعلي إجماعاً يُثبِت خلوَّه من أي تحريف أو تغيير مهما كان طفيفاً.
  2. أمّا السُّنَّة، فيقُصَد بها تعاليم الحنيفية الإبراهيمية، ذلك التقليد لدين النبي إبراهيم (عليه السلام) الذي أرسى النبي مُحَمَّد (ص) عليه بنيان الإسلام بين أتباعه كدين ، بعد أن قام بإحياء تلك التعاليم وتهذيبها وإجراء بعض الإضافات والتعديلات عليها.

ولا نلمس أيّ اختلاف بين القرآن والسُّنَّة من حيث صحتهما وموثوقيتهما، لأنّ الأمة قد تلقّت كلّاً منهما من الله عبر التواتر الفعلي والقولي، وعبر إجماع الصحابة. وسيظل هذان المصدران فوق الشبهات والشكّ في كلّ زمن.

2. ) تشير الموافقات الضمنية إلى موافقات النبي (ص) على أنّ شيئًا ما في صفة الدين قد تمّ قبله ولم يرفضه، أو أمر حدث أمامه أو عُرِض عليه، فسكت عنه.

3. ) يشير الإجماع إلى اتفاق كلّي كامل يخلو من أيّ خلاف.

4. ) التواتر هو آليةٌ لنقل النصوص أو المعاني بكيفية تضمن القطع ولا تقبل التشكيك. وهو إثبات صحّة الآيات القرآنية الموحى بها إلى الناقل الأول محمد (ص) منقولة عنه من جمع غفير إلى جمع غفير آخر لا يمكن اتفاقهم وتواطؤهم على الكذب.

جوهر الدين.

  1. جوهر الدين:

إنّ جوهر الدين حسب الاصطلاح القرآني هو عبادة الله، وهي تعني التواضع والخضوع اللذين إذا توافرا في الإنسان، مع تفهّم صحيح لمعنى رحمة الله وقوته وعنايته وحكمته، كان ذلك أدعى إلى تسليم العبد أموره إلى الخالق تسليماً يقترن بالمحبّة والخوف وإظهار الثقة فيه، وإخضاع كلّ شؤون حياته لإرادته، والطمع برضاه في كلّ حركاته وسكناته. هذا التواضع لشخص أمام الله سبحانه وتعالى هو، في الواقع، شعور داخلي قوامُه ذكر الله، والتعبير عن الامتنان له، والخوف من استيائه، وتكريس الذات له، وإظهار الثقة به، وإخضاع الذات وجميع شؤون المرء له، وإرضاؤه في كل خطوة. كلّ هذه الجوانب هي تجليات نفسية عميقة للعلاقة التي تربط العبد بخالقه.

أمّا التجليات الخارجية للعبادة، فنستشفها من التواضع والخنوع، وهي تتمثل في الركوع والسجود والتعظيم والحمد والابتهال والتسبيح، والتضحية بالنفس والمال لنيل مرضاة الرّب. ومهما يكن من أمر، فإنّ المرء ليس مجرد ناسك متعبِّد، بل هو كائن اجتماعي له وجود عملي في هذا العالم. وهذه العبادة تتعلق بهذا الوجود العملي أيضاً. وبهذه الطريقة تصبح العبادة شاملة للطاعة. ويتطلب الأمر هنا أن تنحني الذات الخارجية للشخص أمام الخالق الذي انحنت ذاتُه الداخلية أمامَه أيضاً.

تعريف الدين.

  1. تعريف الدين:

وحينما تفرض هذه العبادة على الإنسان قواعد أخلاقية وميتافيزيقية ترسم حدود العلاقة الصحيحة التي تجمع بين العابد والمعبود. وتتشكّل وفق تلك العلاقة الطقوس والحدود والشعائر اللفظية والفعلية، وهذا ما يُسمَّى بالمصطلح القرآني «الدين». إنّ الشكل الذي يتخذه هذا الدين بعد أن شرحه الله تعالى للبشرية من خلال أنبيائه، يسمّيه القرآن «الدين الحق». ويوجه القرآن أتباعه إلى تبنيه بالكامل وبأمانة في حياتهم، وعدم خلق أي انقسامات أو تنازع فيه.

محتوى الدين.

  1. فحوى الدين ومحتواه:

تُسمَّى قواعد العبادة الميتافيزيقية والأخلاقية التي فرضها الدين (الحكمة)، وتسمّى الشعائر والحدود المفروضة حسب الاصطلاح القرآني (الكتاب) الذي يُسمَّى أيضاً (الشريعة) بمعنى القانون والأحكام.

لقد كان مفهوم الحكمة واحداً في كلّ الأديان السماوية، لكنّ الاختلاف وقع في الشرائع التي تتغير فيها الأحكام بتغير الأزمان وتطور الحضارة والمجتمعات الإنسانية.

وتكشف الدراسة المقارنة للكتب السماوية أنّ الشريعة تحتل المساحة الأكبر في التوراة، بينما تشكل الحكمة المضمون الأبرز في الإنجيل، والزّبور هو مجموعة تراتيل ومزامير تمجّد الله، وهي رائدة سبقت الإنجيل وتبشِّر بحكمته. أمّا القرآن، فقد نزل على النبي (ص) كتحفة أدبية رائعة تجمع بين الحكمة والشريعة كلتيهما، وبين البشارة والإنذار: البشارة لمن اهتدى إلى الصراط المستقيم، والإنذار بالعذاب لمن حاد عنه.

وتتضمن الحكمة بشكل أساسي الموضوعين التاليين:

  1. الإيمان
  2. الأخلاق والفضائل.

أمّا الكتاب فيشتمل على الموضوعات التالية:

  1. شريعة طقوس العبادة وشعائرها.
  2. الشريعة الاجتماعية.

ج- الشريعة السياسية.

د- الشريعة الاقتصادية.

هـ- شريعة الدعوة والوعظ،

و- الشريعة الجزائية.

ز- آداب الطعام والشراب.

ح- الأعراف وقواعد السلوك الإسلامية.

ط- القَسَم والأيمان.

ي- الكفّارة والتكفير.

الأنبياء والرسل.

  1. الأنبياء والرسل:

تظهر دراسة القرآن أنّ مَن بعثهم الله بهذا الدين يسمون (الأنبياء)، بعضهم اقتصرت مهمته على النبوة، وبعضهم جمع بين النبوة والرسالة. وتفرض النبوة بعد تلقي الوحي الإلهي أن يتولى النبي هداية الناس إلى الحقّ، والتبشير بحسن العاقبة لمن اتبعوه، والإنذار بسوء العاقبة لمن خالفوه. والتبشير بحسب المصطلح القرآني هو إذاعة الخبر السار، والإنذار هو التحذير من سوء العاقبة.

تعني الرسالة أنّ نبيّاً قد كُلِّف بهداية قومه بناء على تفويض إلهي، بحيث يمكنه أن يقرر مصيرهم بعقاب إلهي إذا خالفوه ورفضوه، وهو يستطيع أن يفرض عليهم سيادة الحق من خلال تنفيذ قضاء الله عليهم في هذا العالم بالذات. لقد أرسل الله رسله لكي يُعاقب من خلالِهم المسيء على إساءته، ويُثيب المحسن على إحسانه قبل يوم الحساب، وهذا أشبه بتمثيل تجريبي أو «بروفة» مصغَّرة لما سيحدث يوم القيامة، أو بتعبير آخر هو محكمة أرضية صغرى تسبق المحكمة السماوية الكبرى يومَ القيامة.

يتحدّث الرسل والأنبياء باسم الله ويقولون: إنّ كلّ مَن أوفى بعهده مع الله وحافظ عليه سيُكافأ في هذا العالم بالذات، وكلّ مَن خان العهد والميثاق مع الله يعاقَب في هذا العالم بالذات. ولهذا، فإنّ كلّ رسول منهم هو آية إلهية وعلامة من علامات الله تمشي على الأرض وتنقل أحكامه. وهم مسئولون أن يبلّغوا الحقّ للناس، وأن ينقلوا إليهم هدى الله بكل أمانة، وهذا ما يُسمَّى بحسب الاصطلاح القرآني الشهادة التي تصبح، بمجرَّد إثباتها، أساس العدالة الإلهية في الدنيا وفي الآخرة. وبذلك، فإنّ الله، سبحانه وتعالى، ينصر هؤلاء الرسل، ويُنزل عقابه على مَن يكذّب دعوتهم ويرفضها.

لقد مُنِحت مهمة الشّهادة هذه، إلى جانب الرسل، لذرّيّة إبراهيم (عليه السلام) أيضاً. ولهذا السبب، وصفهم القرآن بأنهم جماعة تتوسط بين رسول الله والبشر، وأكد أنهم اختيروا لهذه المهمة مثلما يختار الله تعالى بعض الشخصيات العظيمة من البشر، ويمنحهم مكانة النبي أو الرسول.

غاية الكتب السماوية.

  1. الغاية من الكتب السماوية:

أنزل الله كتبه السماوية على أنبيائه ورسله، وكان الغرض من نزول هذه الكتب، وفق القرآن، التمييز بين الصواب والخطأ، والتفريق بين الحق والباطل، كي يتمكن الناس من حلّ خلافاتهم من خلالها، التزاماً منهم بمعنى العدالة التي تقوم مهمتها على إحقاق الحقّ.

تبعات الإنذار.

  1. مسؤولية الإنذار:

لقد بدأت سلسلة الأنبياء والرسل بآدم (عليه السلام) واختتمها مُحَمَّد (ص). وبعد وفاة الرسول، انقطع الوحي الإلهي، وانتهى نظام النبوة، ولهذا أنيطت مسؤولية الإنذار بعلماء الأمة لحثّ الناس على التمسك بدينهم إلى يوم القيامة.

الإسلام: تسمية الدّين.

  1. اسم الدين:

يُسمَّى الدين الذي فصّلنا الحديث عنه في الفقرات السابقة (الإسلام). وقد أكّد سبحانه وتعالى في القرآن أنه لا يوجد دين آخر مقبول عنده سواه. وإذا كانت تلك التسمية تُستعمَل للدلالة على عموم الدين بالمعنى الواسع، فإنّها تُستخدَم أيضاً بمعنى مُحدَّد للدلالة على الصيغة الخارجية للدين، وهي تتكون من خمسة أركان:

أولها: الشهادة أنّ لا إله إلا الله وأنّ مُحَمَّداً رسوله.

وثانيها: إقامة الصلاة.

وثالثها: إيتاء الزكاة.

ورابعها: صيام رمضان.

وخامسها: الحجّ إلى بيت الله.

الإيمان: الجانب الداخلي من الدين.

9- الإيمان:

الإيمان هو الصيغة الداخلية للإسلام، والجانب الداخلي من الدين. ويتألف وفقاً لتفاصيله في القرآن من خمسة أركان أيضاً هي:

1. الإيمان بالله.

2. الإيمان بالملائكة.

3. الإيمان بالأنبياء.

4. الإيمان بالكتب الإلهية.

5. الإيمان بيوم القيامة.

شروط الإيمان الثابتة وضروراته:

10- شروط الإيمان الثابتة (الضرورية):

إذا دخل جوهر الإيمان قلب امرئ، ونال التصديق اليقيني، فإنه يتطلّب أمرين مبنيين على أساس وجوده، هما: العمل الصالح، وحثّ الناس بعضهم بعضاً على الحقّ والثبات عليه، وهو ما يُدعى التواصي بالحقّ والتواصي بالصبر.

وللتفصيل فيهما نقول:

أ- العمل الصالح.

العمل الصالح: إنّ كلّ عمل ناجم من تزكية الأخلاق هو عمل صالح نجد أساسه في كلٍّ من الطبيعة والعقل البشريين. وقد نزلت شريعة الله لتوجيه البشرية وإرشادها نحو العمل الصالح.

ب- التواصي بالحقّ والتواصي بالصبر عليه.

التواصي بالحقّ والتواصي بالصبر: وهو أن يحثّ بعضُنا بعضاً على سلوك طريق الحقّ، والثبات عليه ضمن نطاق محيطنا الاجتماعي المباشر، والمعنى القرآني الاصطلاحي لهذا الشرط هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكَر، ما يعني أنّ من واجب المؤمن أن يحثّ الناس في نطاق بيئته المباشَرة على عمل المعروف (الخير) واجتناب المنكر (الشرّ) بمقتضى العقل والطبيعة البشرية.

متطلبات الإيمان الطارئة:

11- متطلبات الإيمان الطارئة: (حالات اضطرارية محتَمَلة)

إنّ حديثنا السابق ينطبق على شروط الإيمان في الظروف الاعتيادية، ولكن قد تنشأ ظروف استثنائية قاسية تفرض شروطاً إيمانية جديدة، هي:

أ- الهجرة: (الهجرة من أجل الدين).

ب- النُّصرة: (نصرة قضية الدين).

جـ- القيام بالقِسط: (الالتزام بالعدل).

وسنفصل الحديث فيها على النحو التالي:

أ- الهجرة:

  1. الهجرة من أجل الدين:

إذا أصبح من الصعب على المؤمن أن يعبد الله، وتعرّضَ بسبب معتقداته الدينية للاضطهاد، وشقَّ عليه التصريح بإسلامه، فإنّ إيمانه يفرض عليه عندئذ، أن ينتقل إلى مكان آخر يستطيع فيه مزاولة إيمانه جهراً. وقد اصطُلِح على تسمية ذلك (الهجرة) كما ورد في القرآن. وإن دعا الرسول إلى الهجرة حيث تُحتِّم الضرورة ذلك، وامتنع من تزعزع إيمانه عن تلبية تلك الدعوة، فسوف يلقى سوء العاقبة في نار الجحيم.

ب- النُّصرة:

  1. نصرة قضية الدين:

إذا نشأت ظروف تتطلب اتخاذ بعض الإجراءات لغرض حماية الدين أو نشره، فمن متطلبات الإيمان أن يقدم المرء هذا الدعم من خلال تقديم حياته وماله لهذا الغرض. ويجب اتخاذ خطوات وإجراءات لحماية الدين ونشره بين الناس في مواجهة الظروف القاهرة التي يمكن أن تُضعِف من عزائم أتباع الدين، وهو ما أطلق عليه القرآن مصطلح (نصرة الله)، إذ يرى أنّ المؤمن الحقّ يجب أن يمنح هذه القضية الأولوية القصوى حين تنشأ مثل هذه الظروف، وأن تكون أحبَّ إليه أو أغلى عليه من أي شيء آخر.

جـ- القيام بالقِسط:

ج- القيام بالقِسط: (الالتزام بالعدل):

إذا حاول المرء متأثراً بعواطفه ومصالحه وأهوائه أن يحيد عن العدالة في مسائل الدين والدنيا، فإنّ إيمانه يُحتّم عليه أن يلتزم بالعدل، ليس عند الشهادة في دار القضاء فقط، بل أن يؤدي واجبه حتى لو دفع حياته ثمناً لإيمانه. وعليه قول الحقّ وأداء الشهادة بكلّ أمانة، وباختصار، فإنّ عليه أن يلتزم العدالة في أقواله وأفعاله ومعتقداته بناء على توجيهات القرآن الذي يسمي ذلك السلوك الإيماني (القيام بالقسط).

غاية الدين.

12- غاية الدين:

الغرض من الدين، كما ذكر القرآن، هو تزكية الحياة الفردية والجماعية للناس، وتطهيرها من شوائبها وأدرانها، ودفع معتقداتهم وأفعالهم وتطويرها في الاتجاه الصحيح. وقد ذكر القرآن في آيات كثيرة أنّ مطمع البشر وأملهم هو الفوز بالجنة، ولن يفوز بها إلّا أولئك الذين زكّوا أرواحهم وطهّروها. وقد أرسل الله أنبياءَه، وأنزل الدين كلّه لإرشاد الإنسان إلى تحقيق هذا الهدف.

الموقف الديني الصحيح.

13- الموقف الديني الصحيح:

إنّ الموقف الديني الصحيح الذي يجب على أتباع هذا الدين أن يتبنَّوه يُسمَّى الإحسان، ومعناه أن يؤدّي المرء عملاً أو ينجز شيئاً بأفضل طريقة ممكنة، ويضع في اعتباره دائماً أن يعبد الله وكأنّه واقف في حضرته المتجلّية، فهو إذا لم يكن قادرا على رؤية الله، فإنّه على الأقل يستحضرأن الرب تعالى يراه.