انتقل إلى المحتوى

الفصل 113: تاريخ الصوم

تاريخ الصوم

إن الصوم له أيضًا تاريخ قديم جداً كالصلاة وشهد لذلك القرآن حين قال:كتب عليكم  الصيام كما كتب على الذين من قبلكم (البقرة:   )فهذه حقيقة أن تصورالصوم كان يتواجد عند جميع الأديان والمذاهب من حيث عبادة هامة لتربية النفس وكبح جماحها.

وحضارة بابل والنينوى تاريخها متوغل في القدم ففي زمان كان الآشوريون مستوطنين هناك وكان يونس عليه السلام قد بعث إليهم،  إنهم كذبوه في أول مرحلة ولكنهم أمنوا به في المرحلة الثانية وقد جاء ذكر توبتهم ورجوعهم في صحيفة يوناه كما يأتي:

فَآمَنَ أَهْلُ نِينَوَى بِاللهِ وَنَادَوْا بِصَوْمٍ وَلَبِسُوا مُسُوحًا مِنْ كَبِيرِهِمْ إِلَى صَغِيرِهِمْ.

 وَبَلَغَ الأَمْرُ مَلِكَ نِينَوَى،  فَقَامَ عَنْ كُرْسِيِّهِ وَخَلَعَ رِدَاءَهُ عَنْهُ،  وَتَغَطَّى بِمِسْحٍ وَجَلَسَ عَلَى الرَّمَادِ.

 وَنُودِيَ وَقِيلَ فِي نِينَوَى عَنْ أَمْرِ الْمَلِكِ وَعُظَمَائِهِ قَائِلًا: «لاَ تَذُقِ النَّاسُ وَلاَ الْبَهَائِمُ وَلاَ الْبَقَرُ وَلاَ الْغَنَمُ شَيْئًا. لاَ تَرْعَ وَلاَ تَشْرَبْ مَاءً.

 وَلْيَتَغَطَّ بِمُسُوحٍ النَّاسُ وَالْبَهَائِمُ،  وَيَصْرُخُوا إِلَى اللهِ بِشِدَّةٍ،  وَيَرْجِعُوا كُلُّ وَاحِدٍ عَنْ طَرِيقِهِ الرَّدِيئَةِ وَعَنِ الظُّلْمِ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ،                (سفر يوناه: 3  : 5-8) 

وكان الصوم ليس شيئًا غريبًا أجنبيًّا عند العرب الجاهليين،  فأن وجود لفظ “الصوم” في لغتهم دليل كافٍ على أنهم كانوا مطلعين على هذه العبادة.
وقال الأستاذ جواد علي:

“ويذكر أهل الأخبار أن قريشا كانت تصوم يوم عاشوراء،  وفي هذا اليوم كانوا يحفلون،  ويعبدون،  ويكسون الكعبة، وعللوا ذلك بأن قريشًا أذنبت ذنباً في الجاهلية، فعظم في صدورهم،  وأرادوا التكفير عن ذنبهم

فقرروا صيام يوم عاشوراء،  فصاموه شكراً لله على رفعه الذنب عنهم. وذكر أن رسول الله

كان يصوم عاشوراء في الجاهلية، ولما قدم المدينة واظب عليه وأمر الناس بصيامه حتى نزل

الأمر بصيام رمضان……وعللوا سبب صيام (قريش) هذا اليوم أنه كان أصابهم قحط ثم رفع

عنهم فصاموا شكرًا.”(الجزء السادس من التاريخ المفصل للعرب قبل الإسلام /339- 340)                                        

وكان الصوم أيضًا عبادة مشتركة في الشريعتين اليهودية والمسيحية. وقد ورد ذكر صيامهم في الكتاب المقدس في مواضع عديدة،  وبالإضافة إلى هذه الكلمة الخاصة، (الصوم) تم أيضًا اعتماد تفسيرات “إعطاء الحياة” و”التضحية بالنفس” للصوم في بعض المواضع. فجاء في سفر الخروج ما يلي :                  

 وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «اكْتُبْ لِنَفْسِكَ هذِهِ الْكَلِمَاتِ،  لأَنَّنِي بِحَسَبِ هذِهِ الْكَلِمَاتِ قَطَعْتُ عَهْدًا مَعَكَ وَمَعَ إِسْرَائِيلَ

 وَكَانَ هُنَاكَ عِنْدَ الرَّبِّ أَرْبَعِينَ نَهَارًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً،  لَمْ يَأْكُلْ خُبْزًا وَلَمْ يَشْرَبْ مَاءً. فَكَتَبَ عَلَى اللَّوْحَيْنِ كَلِمَاتِ الْعَهْدِ،  الْكَلِمَاتِ الْعَشَر.َ            (سفر الخروج،  34  : 27-28)

وَيَكُونُ لَكُمْ فَرِيضَةً دَهْرِيَّةً،  أَنَّكُمْ فِي الشَّهْرِ السَّابعِ فِي عَاشِرِ الشَّهْرِ تُذَلِّلُونَ نُفُوسَكُمْ،  وَكُلَّ عَمَل لاَ تَعْمَلُونَ: الْوَطَنِيُّ وَالْغَرِيبُ النَّازِلُ فِي وَسَطِكُمْ لأَنَّهُ فِي هذَا الْيَوْمِ يُكَفِّرُ عَنْكُمْ لِتَطْهِيرِكُمْ. مِنْ جَمِيعِ خَطَايَاكُمْ أَمَامَ الرَّبِّ تَطْهُرُونَ.

      سَبْتُ عُطْلَةٍ هُوَ لَكُمْ،  وَتُذَلِّلُونَ نُفُوسَكُمْ فَرِيضَةً دَهْرِيَّةً           

  (سفر الأحبار،  16  : 29-31)

 فصعد جميع بني إسرائيل وكل الشعب وجاؤوا إلى بيت ايل وبكوا وجلسوا هناك أمام الرب وصاموا ذلك اليوم إلى المساء واصعدوا محرقات وذبائح سلامة أمام الرب.    (سفر القضاة، 20 :26  )

وَنَدَبُوا وَبَكَوْا وَصَامُوا إِلَى الْمَسَاءِ عَلَى شَاوُلَ وَعَلَى يُونَاثَانَ ابْنِهِ،  وَعَلَى شَعْبِ الرَّبِّ وَعَلَى بَيْتِ إِسْرَائِيلَ لأَنَّهُمْ سَقَطُوا بِالسَّيْفِ.

 (سفر صموئل ثاني، 1 : 12  )

فَسَأَلَ دَاوُدُ اللهَ مِنْ أَجْلِ الصَّبِيِّ،  وَصَامَ دَاوُدُ صَوْمًا،  وَدَخَلَ وَبَاتَ مُضْطَجِعًا عَلَى الأَرْضِ.

    (سفر صموئل ثاني، 12 : 16  )

. وَفِي الْيَوْمِ الرَّابعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ هذَا الشَّهْرِ اجْتَمَعَ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِالصَّوْمِ،  وَعَلَيْهِمْ مُسُوحٌ وَتُرَابٌ

. وَانْفَصَلَ نَسْلُ إِسْرَائِيلَ مِنْ جَمِيعِ بَنِي الْغُرَبَاءِ،  وَوَقَفُوا وَاعْتَرَفُوا بِخَطَايَاهُمْ وَذُنُوبِ آبَائِهِمْ

    (نحميا، 9 : 1-2  )

. أَمَّا أَنَا فَفِي مَرَضِهِمْ كَانَ لِبَاسِي مِسْحًا. أَذْلَلْتُ بِالصَّوْمِ نَفْسِي،  وَصَلاَتِي إِلَى حِضْنِي تَرْجع

    (سفر المزامير، 35 :3 1  )

 فَادْخُلْ أَنْتَ وَاقْرَأْ فِي الدَّرْجِ الَّذِي كَتَبْتَ عَنْ فَمِي كُلَّ كَلاَمِ الرَّبِّ فِي آذَانِ الشَّعْبِ،  فِي بَيْتِ الرَّبِّ فِي يَوْمِ الصَّوْمِ،  وَاقْرَأْهُ أَيْضًا فِي آذَانِ كُلِّ يَهُوذَا الْقَادِمِينَ مِنْ مُدُنِهِم.         (سفر إرميا، 36 :6   )

وَالرَّبُّ يُعْطِي صَوْتَهُ أَمَامَ جَيْشِهِ. إِنَّ عَسْكَرَهُ كَثِيرٌ جِدًّا. فَإِنَّ صَانِعَ قَوْلِهِ قَوِيٌّ،  لأَنَّ يَوْمَ الرَّبِّ عَظِيمٌ وَمَخُوفٌ جِدًّا،  فَمَنْ يُطِيقُهُ؟

 « وَلكِنِ الآنَ،  يَقُولُ الرَّبُّ،  ارْجِعُوا إِلَيَّ بِكُلِّ قُلُوبِكُمْ،  وَبِالصَّوْمِ وَالْبُكَاءِ وَالنَّوْحِ.

(سفر يؤئيل، 11 :12   )

وَكَانَ إِلَيَّ كَلاَمُ رَبِّ الْجُنُودِ قَائِلًا

 «هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: إِنَّ صَوْمَ الشَّهْرِ الرَّابِعِ وَصَوْمَ الْخَامِسِ وَصَوْمَ السَّابعِ وَصَوْمَ الْعَاشِرِ يَكُونُ لِبَيْتِ يَهُوذَا ابْتِهَاجًا وَفَرَحًا وَأَعْيَادًا طَيِّبَةً. فَأَحِبُّوا الْحَقَّ وَالسَّلاَم

(سفر زكريا، 8 : 18-19 )

«وَمَتَى صُمْتُمْ فَلاَ تَكُونُوا عَابِسِينَ كَالْمُرَائِينَ،  فَإِنَّهُمْ يُغَيِّرُونَ وُجُوهَهُمْ لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ صَائِمِينَ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ

 وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صُمْتَ فَادْهُنْ رَأْسَكَ وَاغْسِلْ وَجْهَكَ،

. لِكَيْ لاَ تَظْهَرَ لِلنَّاسِ صَائِمًا،  بَلْ لأَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً

(سفر متى، 6 : 16-18 )

 وَبَيْنَمَا هُمْ يَخْدِمُونَ الرَّبَّ وَيَصُومُونَ،  قَالَ الرُّوحُ الْقُدُسُ: «أَفْرِزُوا لِي بَرْنَابَا وَشَاوُلَ لِلْعَمَلِ الَّذِي دَعَوْتُهُمَا إِلَيْهِ.

. فَصَامُوا حِينَئِذٍ وَصَلُّوا وَوَضَعُوا عَلَيْهِمَا الأَيَادِيَ،  ثُمَّ أَطْلَقُوهُمَا

(سفر أعمال الرسل، 13 : 2-3 )

فهذا هو تاريخ الصوم،  وواضح منه أن الصوم أيضاً ما كان أجنبياً غريباً مثل الصلاة والزكاة على مخاطبي القرآن،  إنهم كانوا واقفين على حيثيته الدينية ومطلعين على حدوده وشرائطه. ولذا فإن القرآن لما جاء بأمرالصوم فإنه لم يبين أي شيء من حدوده وشرائطه بل هداهم أن يهتموا بالصوم من حيث أنَّه حكم ألهي قديم ومن حيث أنَّه سنة قديمة يعرفونها فيأتون به كعبادة محتومة لازمة. وامتثالاً لهذا الأمر الإلهي فقد صام النبي صلى الله عليه وسلم وصام صحابته الأبرار وتواترعليه المسلمون جيلاً بعد جيل. فنظراً إلى ذلك فإن مصدر ومأخذ الصوم هو أيضًا إجماع المسلمين وتواترهم العملي. وما زاد القرآن على أن فرضه عليهم وبيّن قانون الرخصة من الصوم للمريض والمسافر، وجاء ببعض التفسيرات فيما بعد فيما يخص من سؤالات متصلة بذلك.