Skip to content

Chapter 114: الغرض من الصيام

مقصد الصوم

وقد أوضح القرآن المقصد من الصوم أن يتقي الناس ربهم (لعلكم تتقون) أي يتواجد التقوى فيكم والتقوى في المصطلح القرآني يطلق على أن يعيش الإنسان حياته متقيدًا بحدود وقيود معينة من الله تعالى ويتقي الله في أعماق قلبه أنه إذا تجاوز عن تلك الحدود فلا عاصم له من عقوبته إلا الله.

وكيف يحصل هذا التقوى من الصوم؟ لأجل التفهم في ذلك علينا أن نضع أمامنا أموراً ثلاثة:

أولاً إن الصوم يُحدث في الإنسان شعوراً قوياً بأنه عبد الله،  وهذا الشعور بالعبدية يأخذ في الحدوث إذا حُرم الإنسان من مطالبات النفس الإنساني الأساسية من أكل وشرب وغيرها، ثم ينمو تدريجياً حتى أنه يغمر كل وجوده في حين إفطاره. فإنه لا يتناول لقمة طعام وشربة ماء من الفجر حتى المغرب، وإن الصائم لا يستجيب إلى رغبة نفس إلى هذه الأشياء لمحض امتثال لأمر الله سبحانه وإذا تكرر عمل الصائم هذا فتنزل هذه الحقيقة إلى أعماق وجوده

بل تسري في جبلته أنه عبد للرب تعالى، وأنه يليق له أن يستسلم للرب تعالى في كافة أمور الحياة أيضاً وأن يتناول عن حريته واختياره في الخيال والعمل كليهما. فيكون إيمان المرء بالله تعالى إيماناً حياً متمثلاً في كل لحظاته. ومعنى ذلك أنه لا يؤمن بإله محض بل يؤمن بذات الله السميع البصير العليم الحكيم والقائم بالقسط المطلع على كل خفائه وعلنه والذي لا مناص له من إطاعته على كل حال،  فهذا هو المقدم في إحداث التقوى في نفس الأمر.

وثانياً إن الصوم يعمّق في الإنسان هذا الشعور أن المرء ذاهب إلى ربه تعالى في يوم،  أما الإيمان به فذاك حاصل لكل مسلم مؤمن. ولكن في حالة الصوم إذا اضطره العطش ويضيقه الجوع والشهوات الجنسية تتقاضى منه وبكل قوة تسكينها، فالكل يعلم أن هذا الشعور وحده هو الذي يصده عن قضاء هذه الداعيات للبطن والفرج،  ففي كل يوم لشهر رمضان المبارك إنه يقضي يومه حارساً لنفسه مانعاً له من قضاء هذه الاقتضاءات البنيوية النفسانية بسبب شعوره محضاً أنه ذاهب إلى ربه يوماً ويقف أمامه فيه. لدرجة أنه في حرالنهار الشديدة يلدغ حلقه من العطش ويكون أمامه ثلج يستطيع أن يشرب منه بسهولة ولكنه لا يشرب كما أنه يكاد يموت من الجوع والطعام متوفر ولكنه لا يأكل،  الزوجان شابان وهما منفردتان ويمكن لهما قضاء الحاجة الجنسية إذا شاءا ولكنهما لا يفعلانها،  فهذه رياضة كبيرة جداً،  وشعورالمسؤولية عند الله تعالى ترسخ منها رسوخاً تاماً فهذا هو الثاني البالغ التاثيرلإيجاد التقوى في المرء.                                                            

وثالثاً الصبر لازم ضروري لحصول التقوى والصيام يربى الإنسان على الصبر وليس فقط ذلك بل ليس هناك طريقة أكثر تأثيراً منه لإنماء وتربية الصبر. إن الامتحان الذي ابتلينا به في هذه الحياة الدنيا لا حقيقة له إلا أن هناك رغبات جامحة لوجودنا الحيواني في جانب ومن جانب آخر يطلب الله منا أن نعيش في حدوده ولا نتعداها. الأمر الذي يطلب منا الصبر في كل خطوة، ولا يحصل التقوى إلا بأن نتخلق بصفات الصدق والأمانة والتحمل والحلم والوفاء بالعهد والعدل والإنصاف والعفو والصفح الجميل والتجنب من المنكرات والفواحش والاستقامة على الحق. ولا توجد هذه الأخلاق الفاضلة إلا بالصبر.                                        

وإنما الصوم يهدف إلى حصول هذا التقوى وقرر الله سبحانه لذلك الغرض شهر رمضان المبارك وكما أوضحنا ذلك فيما مر أن وجه ذلك أن هذا الشهر هو شهر نزل فيه القرآن. وقد كتب الأستاذ أمين أحسن الإصلاحي موضحاً ذلك:                                  

“لا يمكن للمتأمل أن يختلط عليه الأمر في فهم حقيقة أن أعظم نعمة من جميع نعم الله هي العقل،  وأعظم نعمة من العقل هي القرآن،  لأن العقل يتلقى أيضًا الهداية الحقيقية من القرآن. . فبدون القرآن يتخبط الإنسان وعقله لا يزال يهيم في الظلام حتى بعد تركيب جميع التلسكوبات ومجاهر العلم،  ولذلك كان الشهر الذي نال فيه العالم هذه النعمة،  جديراً وقميناً بأن يُخصص له شهر خاص بتكبير الله وشكره وتسبيحه حتى يدوم الاعتراف الجميل بمنح هذه النعمة الكبرى للعالم. ولهذا الشكر والامتنان قد شرع الله تعالى عبادة الصيام،  وهي عبادة خاصة للتربية على التقوى،  التي يتوقف عليها قيام الدين والشريعة كلها وبقاؤها،  والذي نزل القرآن في الأصل هادياً ومرشداً لحامليه.                                                

ويعني أن هذه الحكمة القرآنية قد جاءت بترتيب بحيث تكون النعمة الحقيقية للقرآن الكريم فقط لأولئك الذين لديهم روح التقوى في داخلهم،  والوسيلة الخاصة لتدريب هذه التقوى هي عبادة الصيام،  وجُعل هذا الشهر خاصاً بالصيام الذي أنزل فيه القرآن،  بمعنى آخر،  إن هذا القرآن ربيع لهذا العالم،   وشهر رمضان هو موسم الربيع،  وما يؤتي هذا الربيع وهذا الموسم من  المحصول هو محصول التقوى.”  (تدبر القرآن 1/451)  

وهذا المقصود من الصوم يحصل باللزوم ولكن لابد لذلك من أن يجتنب الصائمون من مساوئ إذا لحقت بالصوم تذهب بسائر بركاته. وهذه الأخطاء والمساوئ وإن كانت كثيرة ولكن بعضها مما لابد من تجنبها لكل صائم. منها أن الناس يكونون من رمضان شهرَاللذات والاستمتاعات، إنهم يعتقدون خطأً أنه لا حساب عند الله مما يستهلكونه في رمضان،                                            

لذلك،  إذا كان هؤلاء الناس من الأثرياء والأغنياء،   فهذا هو شهر الاستمتاع والعودة إلى ربيع اللذات لهم، فبدلاً من تربية الذات يجعلونه شهرًا لتنمية النفس والاستعداد للإفطار كل صباح ومساء. وطالما أنهم صائمون،  فيفكرون في أن المساحة التي خلقت في بطونهم بسبب الجوع والعطش طوال اليوم،  بأية نعمة سوف يملؤونها الآن. والنتيجة أنهم في البداية لا يحصلون على شيء من الصيام،  وإذا حصلوا على شيء فقدوه هناك.

وطريقة تجنب هذا الاضطراب والفساد هي أن يأكل الإنسان ويشرب ليحتفظ بقوة العمل في نفسه،  ولكن لا ينبغي أن يجعل الأكل هدفاً للحياة. فما وجد بغير ترتيب على المائدة وأيًّا كان ما تضعه العائلة على الطاولة يأكله شاكراً الله. حتى لو لم يملأ قلبه،  فلا ينزعج منه. وإذا رزقه الله مالاً فعليه بدلاً من إطعام نفسه وإشباع بطنه أن ينفقه على مساعدة الفقراء والمساكين وإطعامهم. وهذا بالتأكيد سيزيد من بركات صومه. وكان هذا أسوة النبي صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان خاصة، كما قال ابن عباس: كان الرسول صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان “(رواه البخاري رقم 6    ومسلم رقم  6009)

والفساد الثاني أنه بما أن الصوم يحدث في النفس شيئًا من الاشتعال والشدة بسبب الجوع والعطش

ولهذا السبب يتخذ البعض من الصوم ذريعةً لتأجيجه،  بدلًا من جعله وسيلةُ للإصلاح والتربية. إنهم ينتقمون من زوجاتهم وأبنائهم ومن يعملون تحتهم لأدنى شيء،  ويقولون كل ما يخطر على بالهم،  بل يغلظون لهم القول إذا تصاعد الأمر ويلجأون إلى الألفاظ البذيئة،  بل وفي بعض الأحيان يضربون مرؤوسيهم من غير تردد. وبعد ذلك يرضون أنفسهم بالقول أن مثل هذا يحدث أثناء الصيام.

وعلاج ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ينبغي للإنسان أن يتخذ الصيام في مثل هذه المناسبات درعا وجُنة له،  بدلاً من أن يتخذه ذريعةً للغيظ. فعلى المرء إذا صادفه أمر كهذا أن يتذكر أنه صائم، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم “الصيام جُنة وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل إني امرو صائم.(رواه البخاري رقم  1894 ومسلم رقم  2703)

فمن الحقيقة أن الصائم إذا اتبع طريقة التذكر هذه في كل مناسبة غضب واستفزاز،  فإنه سيجد تدريجياً أنه قد تغلب على شيطان نفسه وألجمه لدرجة أنه أصبح أقل قدرة على الإطاحة به الآن. وهذا الشعور بالانتصار على الشيطان سيخلق شعوراً بالرضا والعلو في قلبه،  ويصبح هذا التذكر بالصوم وسيلة للإصلاح. عندها سوف يغضب في محله حيث يجب الغضب. ولن يكون من الممكن لأحد أن يستفزه بين الحين والآخر.

وثالثاً أن الكثيرين إذا تركوا انغماسهم في ملذات الطعام وغيره،  أخذوا يبحثون عن اشتغالات أخرى، غير مضرة عندهم للصوم،  فهم يتسلون بألعاب النرد وقراءة الروايات والقصص والاستماع إلى الأغاني والغزلات ورؤية الأفلام،  أو يمضون أوقاتهم في مجالسة الإخوان يغتابون الآخرين ويهجونهم،  لأن المرء في حالة الجوع في الصوم يلتذ في أكل لحم أخيه، وتكون النتيجة أنهم أحياناً يدخلون هذه الهواية صباحاً ولا ينصرفون عنها إلا بأذان المؤذن.

ومن علاجه الناجع أولاً أن يختار المرء السكوت أدباً للصوم،

ويحاول أن يبقي قفلاً على لسانه على الأقل في مسألة الكلام الفارغ وقول الحقائق الكاذبة ويلجمه عن نشر الشائعات. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: من لم يترك الكذب والعمل به فليس لله حاجة أن يدع المرء له طعامه وشرابه”.(رواه البخاري رقم :1903)

والعلاج الثاني لذلك هو أنه في الوقت الذي يبقى عنده بعد المهام الأساسية،  يجب على المرء دراسة القرآن والحديث وفهم الدين. عليه أن ينتهز الفرصة ويذكر القرآن وجزءاً من صلوات وأدعية النبي صلى الله عليه وسلم فيه. وبهذه الطريقة سوف يتجنب من هذه الهوايات المذكورة في الصيام وبعد ذلك ستكون هذه الذخيرة مفيدة له للحفاظ على ذكر الله في قلبه والمداومة عليه.

والفساد الرابع أن المرء لا يصوم لله في بعض الأحيان بل يصوم إما رياءً وسمعةً وإما لأن يتجنب من ملامة أهله وذويه وإخوانه وأحياناً يجهد نفسه بالصوم حفاظاً على وهم دينه بين الناس،  فهذا أيضًا لا يبقي الصوم صوماً.

وعلاج ذلك أن المرء يُذكّر دائما بما للصوم من مكانة دينية كبيرة،  وأن يلقنها وينصحها أنها إن تترك الطعام والشراب وسائرالمتع فلماذا لا تتركها لله تعالى خالقها، وعلاوةً على ذلك أن يهتم بصوم نافلة أحياناً علاوةً على رمضان وأن يخفيها على أكثرما يكون. فيرجى أن تصبح صيامه المفروضة هذه خالصةً لوجه الله في وقت ما.

والصيام النافلة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتطوع بها وكان يرغّب الناس فيها أيضًا هي كالتالي:                          

صوم يوم عاشور

فقد وردت فضيلته في الأحاديث والآثار (انظر البخاري رقم  2004 ومسلم رقم  2746) وكان رسول الله يصومه عامةً (البخاري رقم 2006 ومسلم 2637)وإذا دخل قبل صوم رمضان فكان يصومه لازماً وكان يأمر الناس بصومه ويحثهم ويراقبهم عل ذلك.(البخاري رقم  2002-4680 ومسلم رقم  2652) وقد جاء أن قريشًا كانوا يصومونه (البخاري رقم 2002 ومسلم رقم 2637 ) وجاء أن اليهود كانوا يصومونه فسألهم ما سبب الصيام؟ قالوا يوم أنجى الله فيه موسى ومن معه، وأغرق فرعون ومن معه فصامه شكراً لله فنحن نصومه فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: نحن أحق بموسى منكم فصامه وأمر الناس بصيامه .(رواه البخاري رقم  2004 ومسلم رقم   2658 )

صيام يوم عرفة

وفضله معلوم لكل مسلم وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحتسب أن صومه يكفر سنة قبله وسنة بعده.(رواه مسلم رقم 2746) وأريد بكفارة الذنوب هنا الذنوب التي لا تتصل بحقوق العباد أو التي لا تحتاج إلى توبة وتلافي ما فات من كفارة وغيرها. ولكنه لم يصمه في موسم الحج كما رواه البخاري رقم 1658 و 1988 ومسلم 2632 ووجه ذلك على الأغلب أنه لم يرض بأن يجمع بين الصوم وبين مشاق الحج.                                

صوم شوال

وقد جاء أيضًا فضله في الأحاديث وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال فكأنه صام طيلة عمره.(رواه مسلم رقم2758 وأبو داود رقم 2433)

صيام ثلاثة أيام في كل شهر

وقد رغّب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صوم ثلاثة أيام من كل شهر وقال فيه قولاً ذكر فيما مر في صوم الست من شوال (كما رواه البخاري رقم 1976-1979 ومسلم رقم  2746) وقد روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بنفسه يصوم هذه الصيام ولكن لم يعين لها يوماً بل صام متى شاء في الشهر كله.(كما رواه مسلم رقم 2444) نعم قد أرشد بعض الصحابة إلى أن يصوموا الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر قمري.(كما جاء ذلك في النسائي رقم   2422)

صيام يوم الاثنين ويوم الخميس

وقد صام النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الاثنين ويوم الخميس، وإذا سأله الناس عن ذلك قال: تُعرض الأعمال في يوم الاثنين والخميس (رواه النسائي رقم 2360 وأحمد رقم 21246) وأيضًا قال: يوم الاثنين ولدت فيه ونزل عليّ القرآن في هذا اليوم.(رواه مسلم رقم 2747)

صيام شعبان

وهو شهر كان يصوم فيه في أكثر أيامه فيما عدا رمضان المبارك كما روت عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في شهر أكثر صياماً منه في شعبان .( رواه البخاري رقم   1969-1970 ومسلم رقم  2721-2722) وعلاوةً على ذلك فللناس خيار أن يصوموا متى شاؤوا صياماً نافلة،  ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قد أوصى الذين يريدون من إكثار الصوم أن يتبعوا داود عليه السلام في أمر الصوم فقال: إن أفضل الصيام صيام داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً (رواه البخاري رقم  1979 ومسلم رقم 2727)

غير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرتض بتخصيص يوم الجمعة بالصوم.(البخاري رقم  1979 ومسلم رقم 6281-6283 ) أو بصوم العام كله (البخاري رقم 1976 ومسلم رقم 4747) أو بصوم أيام العيد (البخاري رقم 1990-1991 ومسلم رقم  2671-2672 ) ووجه ذلك أنه لم يلبث الأول إلا أن يكون بدعة ً والثاني يفسد التوازن في الحياة العامة والثالث يكون في غير محله والذي لا يسعه هذا الدين.