Skip to content

Chapter 115: قانون الصوم

قانون الصوم

وقد أمر الله سبحانه المؤمنين أن يصوموا وفقَ التشريع الذي كان سائداً في دين الأنبياء عليهم السلام، فقال:ياايها الذن آمنواكتب عليكم الصيام كما كتب على الذي من قبلكم لعلكم تتقون أياماًمعدودات(البقرة : 183-184) وجاء ذلك تأليفاً للقلب وكأنما أراد بذلك أن ثلاثين يوماً أو تسعًا وعشرين يوماً من كل أيام السنة ليست مدة طويلة نظراً إلى بركات الصيام بل هي أيام معدودة، فلا ينبغي أن يضطرب بها المؤمنون بل يجب أن يستفيدوا بهذه المدة استفادة تامةً. وبعد هذا التمهيد جاءت الرخصة فقال: فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من ايام اخر أو فدية طعام مسكين بدلاً من صوم يوم. وحكم الرخصة قد انتهى بهذه الألفاظ:

“فَمَنْ تَطَوَّعَ خَیْرًا فَھُوَخَیْرٌ لَّہٗ،  وَاَنْ تَصُوْمُوْا خَیْرٌ لَّکُمْ،  اِنْ کُنْتُمْ تَعْلَمُوْنَ” (البقرة : 184) 

وأريد به أن هذه الفدية من أقل ما يطلب به والذي يجب أن يأتي به من يستطيع على ذلك. ولكن إذا تطوع شخص وأطعم أكثر من مسكين أو عمل لهم خيراً آخر فهو خير له وأن يصوم المرء بدلاً من الفدية في أيام أخرى قضاءً لما فاته فهذا هو خير عند الله تعالى.

نعم جاءت الآية التي بدأت بلفظة” شهررمضان الذي انزل فيه القرآن” قد اختتمت فيها تلك الرخصة. فأعيد الحكم وحذفت منه الألفاظ من “وعلى الذين يطيقونه ” إلى “إن كنتم تعلمون”

والصوم في الأيام العادية يكون صعباً ثقيلاً على الطبائع فلم يفرض بالمرة ، حتى إذا استعدت الطبائع أُلزمت وانتهت رخصة الفدية وقيل لهم أن أتموا مدة الصيام كلها كي لا تحرموا من خيراتها المكنونة وبركاتها المضمونة في الصوم. فهذا هو حكم الصوم الأصلي ثم بعد ذلك ربما قد جاءت في الأذهان بعض الإشكاليات ومنها هل المقاربة الجنسية في ليالي رمضان حلالة جائزة أم لا؟ والأغلب أنه بما أن اليهود لا يجوز عندهم العلاقة الجنسية في ليالي رمضان وكان الصوم يبتدئ عندهم بعد الإفطار معاً فظن المسلمون أيضاً أن هذا أيضًا حكم لهم،  ولكن البعض منهم قد أتوا النساء مع أنهم كانوا يظنون الفعل غير جائز، وفعلهم هذا ما كان أمراً مستحسناً. لأن المرء إذا اعتقد بشيء في ظنه أو في اجتهاده أنه مما يقتضيه الشرع فلا يجوز له خلافه بغض النظر عن أنه مما أمر به الشرع في واقع الأمر أم لا. وهذا الذي مما عبربه بخيانة النفس فقال :                                                                  

اُحِلَّ لَکُمْ لَیْلَۃَ الصِّیَامِ الرَّفَثُ اِلٰی نِسَآئِکُمْ،  ھُنَّ لِبَاسٌ لَّکُمْ وَاَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّھُنَّ،  عَلِمَ اللّٰہُ اَنَّکُمْ کُنْتُمْ تَخْتَانُوْنَ اَنْفُسَکُمْ فَتَابَ عَلَیْکُمْ وَعَفَا عَنْکُمْ. فَالْئٰنَ بَاشِرُوْھُنَّ وَابْتَغُوْا مَاکَتَبَ اللّٰہُ لَکُمْ وَکُلُوْا وَاشْرَبُوْا حَتّٰی یَتَبَیَّنَ لَکُمُ الْخَیْطُ الْاَبْیَضُ مِنَ الْخَیْطِ الْاَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ،  ثُمَّ اَتِمُّوا الصِّیَامَ اِلَی الَّیْلِ،  وَلَا تُبَاشِرُوْھُنَّ وَاَنْتُمْ عٰکِفُوْنَ فِي الْمَسٰجِدِ. تِلْکَ حُدُوْدُ اللّٰہِ فَلاَ تَقْرَبُوْھَا،  کَذٰلِکَ یُبَیِّنُ اللّٰہُ اٰیٰتِہٖ لِلنَّاسِ لَعَلَّھُمْ یَتَّقُوْنَ.(البقرة ۲: ۱۸۷)

فبحكم هذه الآيات يتمخض التشريع في الصوم والاعتكاف فيما يأتي:

الصوم في اصطلاح الشرع هو الاجتناب عن الأكل والشرب وعن العلاقة الجنسية بنية الصوم واحتساباً لله،  وهذا القيد يكون منذ الفجر إلى بداية الليل ولذا فيجوز الأكل والشرب إتيان الزوجة في ليالي رمضان جوازاً قاطعاً. وبما أن شهر رمضان اختص بالصيام فمن وجده وحضر هذا الشهريفرض عليه صوم رمضان، وإذا لم يمكن لمرء بسبب مرض أو سفر فعليه قضاء ما فاته من الصوم وإتمام العدة بصوم أيام أخرى. ويُمنع الصوم في حالتي الحيض والنفاس لكن لابد من إتمام الصيام الفائتة في الحيض والنفاس أيضاً. والاعتكاف هو منتهى كمال الصوم فإذا وفق الله شخصاً للاعتكاف فعليه أن يعتزل الناس مهما أمكن له من أيام في شهر رمضان ويعتكف في مسجد ولا يخرج منه إلا لحاجة بشرية ماسة لازمة. ويجوز للمعتكف الأكل والشرب في ليالي الصوم ولكن لا يجوز له مقاربة الزوجة لأنه مما حرمه الله على المعتكف. وقد ثبت تشريع الصوم هذا بإجماع المسلمين وتواترهم كما فصله القرآن أيضاً. ولكن نبين هنا بترتيب ما شرحه النبي صلى الله عليه وسلم من علم وتطبيق.                                                            

 1 يبتدئ شهررمضان باستهلال الهلال فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: الشهر قد يكون تسعًا وعشرين فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا ثلاثين”(من شعبان)(رواه مسلم رقم  2503-2514)

ومراد الحديث أن المطلب هو علم ببداية الشهر أو ختامه من أي طريق حصل،  فصوموا وفقَ ذلك وأفطروا، فرؤية الصوم ليست هي الأصل.

2  ولا ينبغي أن يصوم قبل بداية شهر رمضان بيوم أو يومين لأنه لم يستحسنه النبي صلى الله عليه وسلم إلا لمن تعود على صوم ذلك اليوم.(رواه البخاري رقم  1914 ومسلم رقم 2518 )

 3 ويستحب للصائم السحور فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تسحروا فإن في السحور لبركة” (رواه البخاري رقم 1923 ومسلم رقم  2549 )

 4 ويجوزإظهارالود للزوجة بكل طريق كان سِوى المجامعة،  فعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبِّل وهو صائم ويباشر وهو صائم ولكنه أملككم لإربه.( رواه البخاري رقم  1927 ومسلم رقم  1106  )

 5   ويجوز أن يصوم في حالة الجنابة فقد روي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم ربما يصوم وهو جنب ولا يغتسل إلا بعد الفجر.(رواه البخاري رقم  1931 ومسلم رقم   2589  )

6   وإذا أكل الصائم ناسياً فصومه صحيح يكمله ولا شيء عليه لأنه صلى الله عليه وسلم قال: من نسي وهو صائم وأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه.(رواه البخاري رقم 1933 ومسلم رقم  2716)

7   وليعتكف الصائم في العشرة الثانية أو الثالثة وأن يكون الاعتكاف لعشرة أيام كاملة إلا أن يكون الشهر تسعًا وعشرين وتفيد الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعمل عليه في عامة الأحوال . (رواه البخاري رقم 2025-2027 ومسلم  2772-2780)

  8    وإفطارالصوم عامداً إثم كبير وإذا جاء رجل بشيء من ذلك فخير له أن يكفره وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم لشخص أن يكفر له كفارة الظهار ولكن الرواية أيضًا تقول إنه لما قدم الرجل بعذر شرعي قَبٍله ولم يصر على الكفارة . كما جاء في البخاري رقم 1936 ومسلم رقم  2595).