آداب الصلاة
الصلاة هي عبادة الله والدعاء والمناجاة في حضرته. ولذا حيث يأمر القرآن بالحفاظ عليها فإنه يأمر أيضًا: بِـ”وقوموا لله قانتين.” (البقرة:238)”.
وتعليمات النبي صلى الله عليه وسلم في بيان هذا الحكم هي كما يأتي:
1 لا كلام مع أي شخص في الصلاة. قال: «إنَّ هذِهِ الصَّلاَةَ لا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلامِ النَّاسِ، إنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ، وَقِراءةُ القُرْآنِ.(مسلم رقم 1199)
وعن زَيْد بن أَرْقَمَ رضي الله عنه قال: «كُنّا نتكلم في الصلاة، يُكَلِّمُ الرجل صاحبه، وهو إلى جنبه في الصلاة، حتى نزلت “وقوموا لله قانتين” فَأُمِرْنَا بالسكوت ونُهِينَا عن الكلام.
(البخاري رقم 1200 ومسلم رقم 1203-1204)
وعن ابن مسعود قال: كنا نسلم على رسول الله – صلى الله عليه وسلم -وهو في الصلاة، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه، فلم يرد علينا، فقلنا: يا رسول الله، كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا، فقال: “إن في الصلاة شغلًا”(البخاري رقم 3875 ومسلم رقم 1201)
2 لا ينظر حوله في الصلاة. قالت عائشة: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: ” هذا خطف الشيطان من صلاة العبد “. [البخاري رقم 751] وبالمثل قد حذر النبي (صلى الله عليه وسلم) تحذيرًا صارمًا عندما نظرالمصلي إلى السماء. قال: “ما بال أقوام يرفعون أعينهم إلى السماء في الصلاة؟” يجب أن يكفوا عن ذلك، وإلا فهناك خوف من أن تؤخذ أعينهم” أو كما قال.(البخاري رقم 750 ومسلم رقم 967)
3 يجب أداء الصلوات بسكون ووقار. قال عليه السلام: “ما بالكم ترفعون أيديكم كما ترفع ذيول الخيول المتمردة؟” كونوا هادئين في الصلاة.(أو كما قال رواه مسلم رقم 968 )
4 يجب عدم كف الشعر والملابس أثناء الصلاة. قال عليه السلام: “لقد أمرت بالسجود على سبعة أعظم وأن لا أكف شعري وملابسي أثناء الصلاة.(البخاري رقم 812 ومسلم رقم 1096)
5 ولا ينبغي أن يكون هناك أي شيء أمام المصلي من شأنه أن يحدث فرقًا في خشوع القلب. فعن أنس (رضي عنه الله) أن أم المؤمنين عائشة علقت ستارة في منزلها. فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: “انزعي هذا الستر لأن صوره ستأتي أمامي (البخاري رقم 374) في الصلاة.”
6 وإذا وضع الطعام أمامه فيجب الانتهاء من الأكل ثم يصلى الصلاة بارتياح حتى لا يكون هناك تفكير للأكل في الصلاة، ولكن يجب أن يكون الشخص في خيال الصلاة أثناء الوجبة. وينطبق الشيء نفسه إذا كان من الضروري الذهاب للبول أو البراز. قال عليه السلام: لا يصلى بحضرة الطعام ولا وهو يدافعه الأخبثان.(مسلم رقم 1246)
7 إذا كان عليه القيام بأي عمل آخر أثناء الصلاة، فلا ينبغي أن يكون هناك إفراط فيه. وقد روي أنه قال عليه السلام عن الشخص الذي يسوي التربة بدلاً من السجود، قائلًا: “إذا أنت فاعله فافعل مرة واحدة” ( البخاري رقم 1207 ومسلم رقم 1219)
8 في حالة القيام يجب على الشخص ألا يضع يده على جنبه ولا يجلس متكئًاعلى يديه دون أي حاجة. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك.(البخاري رقم 1219 ومسلم رقم 1218 وأبو داود رقم 947-992)
9 لا تثاؤب في الصلاة. يقول عليه السلام: “إذا كان أحدكم في صلاته فلا يتثاءب ويحاول أن يوقفها قدر الإمكان، وإلا يضع يده على فمه.(أو كما قال: (مسلم رقم 7491-7493)
10 ويصلي بارتداء الملابس المناسبة والمهذبة. يقول النبي الكريم لا يصلي أحدكم في
الثوب الواحد ليس على عاتقه شيء. وبالمثل قال عليه السلام:
رقم 1711) لا صلاة لحائض إلا بخمار” (أبو داود رقم 641 وابن حبان
هذا هو ظاهر الصلاة. ووفقًا لنفس الأمر “وقوموا لله قانتين” هناك بعض الآداب الداخلية للصلاة التي يجب على كل مسلم أن يضعها في اعتباره في صلاته. وهذه الآداب هي كما يلي:
1 لا يكون هناك تكاسل ولا تكاهل في الصلاة. وهذا مرض شائع في الصلاة، وإذا كان الشخص يعاني منه فلا يوجد التزام بالمواعيد معه، ولا يبقى عنده اهتمام بالجماعة، ولا يقف ذلك الشخص في الصلاة أمام ربه بحضور القلب. وربما يمكن أن يكون السبب في ذلك هو النوم في الظاهر والمشاركة والاشتغال بالعالم وشؤونه، ولكن إذا أمعنا في الداخل، يتضح لنا أن السبب الحقيقي لذلك هو داخل القلب، فيجب على كل مسلم أن يحاول إزالته قبل كل شيء. والتدابير والتكتيكات التي يمكن اتخاذها في سبيل ذلك فهي في لفظ الأستاذ الإمام كالتالي:
“إن أول شيء هو أن يرسخ المرء في قلبه ما للصلاة من أهمية في الدين. الصلاة هي أول مظهر للإيمان. وأول شيء يخرج من الإيمان هو الصلاة ثم يولد الدين كله فقط من الصلاة. هذه هي الركيزة الأولى بعد الإيمان من الأركان التي يقوم عليها الدين. لذلك إذا هدم أي رجل هذا العمود فقد هدم الدين كله في الواقع. وكان الصحابة يعتقدون أن الصلاة هي الفارق بين الكفر والإيمان. فقد أمر عمر (رضي عنه الله) ولاته وعُماله أن
مسؤوليتهم الكبرى هي إقامة الصلاة. فمن أضاع الصلاة، فسوف يضيع بقية الدين. وبما أن الصلاة هي مصدر الدين ومنبعه، فإن لها أكبر دخل في حماية الدين. هذا ما يحمي دين المرء بأكمله. إذا أبطأ أو أضاعها فإنه يهدم كل حدود الدين ويضع زمام أموره في يد الشهوات. وقد قال في القرآن عن أهل الكتاب أنهم أضاعوا صلاتهم واتبعوا الشهوات.
ومما يلاحظ ويُراعى أن هناك مقامًا لكل شيء في الدين وهو مقام قد وضعه الله بنفسه. فما هو ركن في الدين هو ركن له على كل حال، ما لم تتم إقامته لايقام الدين. وإذا لا يقيم شخص الصلاة وهو في زعمه يظل يخدم الدين ليلَ نهارَ فإن جهوده تذهب سُدىً لأنه يبني بناية بدون أساس، وكما لا يتبدل شيء من أساس بنائه فكذلك لا يقوم شيء ما مقام صلاة، ويدل على هذه الحقيقة حديث جاء فيه: إن الله لا يقبل صلاة نافلة لامرئ ما الفرائض. لم يأت
والشيء الثاني الذي لابد منه لكبت ذلك الكسل هو أن يعوّد المرء نفسه على السعي إلى
ذكر الله، وذلك يعني أن الرجل إذا سمع النداء والأذان ترك كل ما كان خائضًا فيه ويشتغل في الاهتمام بالصلاة والإعدادات للذهاب إلى المسجد، ولا يدخل ذلك الإعداد الكسل بل التيقظ سمته، فكما يستعد العبد المطيع أن يأتي من فوره بما يأمره سيده ويستأذن له تاركاً كل ما يفعله على أمره، فكذلك يجب على المرء أن يلبي النداء ويستجيب للأذان فوراً. وليلحظ دائمًا أن الصلاة لوقتها هي أقدم وأهم الفرائض عند الله،فلايقدمها شيئ آخروإن كان عملاً دينياً بنفسه إلا في حالات الاضطرار.
فإذا تعود المرء نفسه أن يهرع إلى الصلاة تاركاً كل العمل
له، فينجو من عادة الكسل والغفلة في باب الصلاة.فلاعجب أن يحبب الله له هذا العمل.
والكسل الناتج من النوم قد بين له النبي صلى الله عليه وسلم علاجاً شافياً. إن النوم لأثقل شيء مادام المرء مستلقياً على فراشه لا يهب، ولكن حينما ترك فراشه بالمرة وذكر الله ثم يتوضأ ويصلي فإنه يخرج من مقام الكسل والهوان وحالة الكآبة إلى مرحلة الفرح والنشاط التي لا يتحسر فيها على النوم بل يتحسر على أنه كيف حُرم من هذه اللذة والراحة التابعة لليقظة، وليتوضح جيدًا أن المرء لا يندم أبداً على تضحية نومه للصلاة بل بعد المران القليل للاستيقاظ فإن لذته تغلب على الطبع بقدر كبير يوقظه من نومه العميق للصلاة.”(تزكية النفس ص 250)
2- وليجنب المرء صلاته من هجوم الوساوس وليس هذا سهلاً فكلما أحب الله الصلاة
كرهها الشيطان كرهًا، ولذا إذا بدأ المرء صلاته حمل عليه الشيطان بجيشه ورَجِله على قلبه وعقله، وكيف يستطيع المرء الدفاع عن ذلك يوضح الأستاذ الإمام بقوله:
“وفي عامة الأحوال إذا أحس المرء أن الشيطان قد داهمه استعاذ بالله فوراً واستعد للحفاظ على صلاته واستكماله من عدوه كمثل الذي قد اطلع على اعتداء العدو الذي قد عزم على استكمال صلاته على رغم عدوه ولا يبالي لوساوسه. ولطالما فإن استعداد المرء هذا هو يكفي لإبطال كل طلسم شيطاني. وثانياً لا يخافت بكلمات الصلاة في نفسه فقط بل يقرأها بحيث يسمع لها بنفسه ويتدبر في معانيها، نعم بحيطة أن لا يخلل في صلاة رجل آخر قائم إلى جنبه، فهذا الشيء ينصره كثيراً في إبعاد وساوس الشيطان لأنه إذا استغرق الإنسان في المعاني احتفظ إلى حد كبير من المتاهة في وادي الوساوس.”
الثالث وهو الأكثر نفعًا وإفادةً أن يحاول المرء لتطهير إحساساته وتزكية مشاعره
أكثر فأكثر، يفكر دائماً في أشياء تنفعه في الدين والدنيا وتنفع الآخرين أيضًا وترقيهم. ويجب أن نلاحظ دائمًا أن رحى ذهن الإنسان وتفكيره يدور دائماً مستمراً فإن كان الإنسان يلقي فيه غلات طاهرة وذاك الرحى يطحنها ويخرج منها دقيقاً زكياً طيباً.وعلى العكس من
ذلك تفعل وساوس شيطانية، فإنه يتربص الإنسان وإذا انتهز الفرصة رمى في ذلك الدقيق حفنة من حصى وساوسه، وبدوره يأخذ الرحى يطحنه ويخلطه فذلك الخلط يضر بنظام وإدارة الرحى ضرراً كبيراً وإن تكرر ذلك فقد يؤدي به إلى الدمار والخراب مما يفسد صلاحية الرحى لطحن الدقيق الطيب، ترمي فيه قمحاً ممتازاً يخرج منه طحينة مقرمشة، فالذي خبث لا يخرج إلا نكداً.
والمرء الذي متعود على إنماء وتربية الأحاسيس والمشاعر الطبية في ذهنه لا تلحقه
الوساوس في صلاته إلا قليلًا، لأن مشاعره الطيبة المأنوسة تجد غذاءً روحيًّا في الصلاة، فما تعترضه في صلاته من الخيالات لا تسقط إلى درجة غير متلائمة كلياً بمقصد الصلاة الأسمى. وروي عن عمر رضي الله عنه وهو من هو في عظمته وجلالته أن يتخلل صلاته الأحوال الخارجية فكان في عين الصلاة يرتب صفوف المجاهدين وجبهات
عساكر المسلمين الذين كانوا يحاربون العدو في إيران وفارس والشام. ويمكن للمرء أن يقول إن هذا أيضًا نوع من الغيبوبة، نعم هذه هي غيبوبة بلاشك، ولكن هناك فرق كبير
وبون شاشع ين غيبوبة حصلت في شارع شخص آخر مختلف وفي غيبوبة طرأ في شارع المحبوب الذي يبحث عنه”. (تزكية النفس ص 253)
3- وما يُقرأ في الصلاة يُقرأ مع الفهم والالتفات الكامل له، وما ذكرناه من قبل من أذكار الصلاة وأورادها إذا نظرت فيها وجدت أن هناك حمدًا لله وثناءً عليه وتكبيرًا له واعترافًا تامًّا بتنزيهه من كل عيب ومن كل نقص ودعاء ومناجاة له. وقراءة
الجزء من القرآن بعد قراءة الفاتحة فوق كل ذلك . ففيها علاقة الدعاء وجوابه،والترتيب الذي يقرءان به
ينبئئ عن تذكير المرء أن أكبر ما يجب عليه أن يسأل المولى الكريم هو سؤال الهداية منه، والهداية تحصل من القرآن فقط إلى القيامة، يقول في ذلك الأستاذ الإمام:
“وهذا (الفاتحة) دعاء ليس فوقه دعاء تحت أديم السماء، وهذا دعاء قد علمه رب العالمين
بنفسه، فبطريق يسأل فيه العبد من ربه لا يتصور طريق آخر خير منه غيره، وما يسأله لا يتصور شيء خير مما يسأله هو.
وعلمناالله بنفسه كيف نسئله وأيضا
ماذا يجب أن نسأله في الواقع. فإذا كان تمهيد السؤال مناسباً والشيء الذي يُسأل عنه أحرى أن يُسأل به ويجب أن يطلب من الذات الذي يُطلب منه، والذي يُطلب منه الدعاء هو أكرم الكرماء فكيف يُشك في قبوله؟ (تزكية النفس ص 246 )
وكتب عن تلاوة القرآن ما يلي:
“ويُقرأ جزء من القرآن وهذا من إعجاز القرآن أنه يحمل كل جزء منه في طيه مغزى دعوته وتعليمه وهداه، فأنت تجد التعرف الصحيح بالله وبصفاته الحميدة ومنهاج الحياة الصحيح وبيان الآخرة وذكر العقاب والجزاء في كل جزء من أجزائه، في نمط وأسلوب مختلفين.
فجاءت هنا مقولة قرآنية بصورة تشريعية وهناك في موعظة ومرةً في قصة وحكاية وفي أسلوب تمثيلي آخر. وتارة في تهديد وإنذار وتارةً في حب وتأنيس ولكن لايمكن أن تقرأ وتسمع جزءًا من القرآن ولو كان بقدر ثلاث آيات. ولا يذكرك ذكرًا مؤثرًا بالغًا بحقيقة لابد منها لإقامة حياته على مسار صحيح”. (تزكية النفس ص 248)
فلابد من الاهتمام بقراءة القرآن قراءةَ تدبر وفهم فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن
المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه به “(رواه أحمد في مسنده رقم: 4909) ويقول الأستاذ الإمام:
“ولا ينبغي لأحد أن يعتقد أنه إذا ما تتلى نفس الأدعية والسور في كل صلاة وهي معلومة فما الحاجة إلى التأمل فيها في كل مرة وكل وقت ويكفي أن تفهمها مرة واحدة. فالذين يقولونه أو يعتقدونه هم لا يعرفون حقيقة الصلاة، فإن الصلاة لا تؤدى لتضيف إلى معلوماتك شيئاً بل تصلى لتجديد العهد بالله ولطلب الهداية والاستغاثة منه توبةً واستغفاراً. فكيف يحصل المرء على هذا الغرض بإعادة وتكرير الألفاظ الجامدة وذهنه منتشر وطبعه غائب”.
(تزكية النفس ص:256)
4- حفظ وتجنيب الصلاة من الرياء
ومن الحقيقة أن آفة كبيرة عامة للصلاة الرياء، وهي أكبرضرراً من كل شيء، وفي ألفاظ الأستاذ الإمام عام لأن له أقسامًا مخفية وأنواعًا كثيرة حتى أن شديدي الحذر لا يستطيعون أن يحفظوا منه فضلاً عن عامة الناس، وأكثر ضرراً لأن الإخلاص هو شرط لقبولية الصلاة والرياء منافٍ له. ولعلاجه هناك شيئان ضروريان له فإنه يقول:
“أولاً أن يطلع المرء على أشكال مختلفة متنوعة للرياء اطلاعًا جيداً، ودراسة إحياء
العلوم للغزالي وأيضًا بعض الكتابات الأخرى تفيدك كثيراً
للوقوف على أقسام الرياء. والوقوف الجيد على شيء يفضي بالإنسان إلى أن يأخذ بمظانه ويصلحه إذا شاء، وهذا
الوقوف على الرياء ضروري لازم للعوام وهو أشد ضرورة ً للخواص منه للعوام، لأن الرياء قلما يأتي في لباس الدنيا وإنما يأتي في لباس الزهد والتقوى أكثر ويأتي في أشكال رائعة وصورخلابة تربك العلماء الكبار وتخدع المشائخ العظام وربما يخسرون كل متاع زهدهم ورياضتهم بسبب الرياء.
وثاني ما ينفعه هو صلاة التهجد. يتم أداء هذه الصلاة في عزلة الليل وهي صارمة للغاية بالنسبة للذات ويتم التأكيد أيضًا على إخفائها، لذلك أولئك الذين يصلون فقط من أجل الرياء، لا يمكنهم أن يجرؤوا على القيام بذلك. ولا يمكن أن يجرؤ عليها إلا أولئك الذين هم إما غير مرائين أو على دراية بإغراءات الريا فيختبئون في زاوية خلوة التهجد لإنقاذ أنفسهم منها. وهذه الصلاة هي العلاج الأكثر نفعاً للريا، بشريطة أن يتمكن المرء من الحفاظ على خصوصيته وسريته. فأن البعض ربما ابتلوا أيضًا بالرياء في هذا الصدد. فهم إما أن يعلنون عن إحياء ليلتهم وإقامة تهجدهم في ستائر مختلفة أو يؤدي تلاميذهم ومسترشدوهم هذه الخدمة. في مثل هذه الحالة لا تظل هذه الصلاة مفيدة لهذا الغرض فحسب، بل تصبح أيضًا أكثر فعالية للرياء إلى حد ما.؟ (تزكية النفس 258)
فإذا تمت الصلاة بمراعاة هذه الآداب فتكون في تعبير الأستاذ الإمام:
“إذا قام العبد للصلاة قام وهو يصور العجز والاعتراف والعبودية، الأيدي معقودة، البصرغضيض، العنق منحني ،الأقدام مستوية وهو منقطع من اليمين والشمال والخلف والقدام انقطاعًا كاملًا، صورة للسكوت والصموت والمتانة، وتمثال للأدب والوقار. مرةً يضع رأسه أمام الرب تعالى ومرةً يضع أنفه وجبهته على الأرض يدعوه ماداً يديه تارةً في الالتجاء والتضرع. وملخص القول أن العبد يختار سائر أشكال العجز والاستكانة والتذلل مع الأدب والوقار. ويتمثل المصلي بهذه الصورة في مثال يشهد له أنه يرى الرب تعالى وإن كان لا يراه فإنه يستيقن أن الرب تعالى يراه لزوماً. فهذه هي الصلاة التي يقال إنها صلاة الإحسان. وهذه الصلاة تجوز بمزاج مغاير تمامًا بصلاة فقهية، وهذه الصلاة هي صلاة معتبرة من وجهة نظر تزكية النفس، وهذه الصلاة هي تعكس باطن المصلي وتعكس خضوع الفؤاد وخشوع القلب للمصلي. وهذه الصلاة لا يركع فيها فقط ظهر العبد بل يركع قلبه أيضًا، ولا تغبر جبهته فقط بل يسجد روحه أيضًا للمولى تعالى.(تزكية النفس ص 244)