Skip to content

Chapter 5: أحكام طقوس العبادة

أولاً- شريعة العبادات (أحكام طقوس العبادة)

هدف الإسلام هو تطهير النفس، وبلوغ هذه الفضيلة يعتمد على علاقة العبودية التي تربط العبد بخالقه، وكلّما كانت هذه العلاقة أقوى كان العبد أقدر على تحقيق التطهير في أفكاره وأفعاله معاً. وإنّ الحبّ والخوف والصدق والوفاء والامتنان، إقراراً بصنائعه ونعمه غير المحدودة، هي تجلّيات روحانية لتلك العلاقة التي تظهر في ثلاثة أشكال: العبادة، والطاعة، والحمية والمروءة، وتشمل هذه الأخيرة النخوة والأريحية والشهامة وإغاثة الملهوف. وتؤدي شعائر العبادة وظيفة التذكير بعلاقة العبد مع الله، والعبادات هي الصلاة والزكاة والعمرة والتضحية والصوم والاعتكاف والحجّ، وهذا الأخير هو تعبير رمزي عن الحميّة والنخوة، أمّا بقية العبادات فهي رموز للطاعة، وكلّ ذلك يؤدّى لوجه الله.

الصلاة:

1-الصلاة

الصلاة أهم شعيرة من شعائر العبادة في الإسلام. وإذا فكّر الإنسان قليلاً أدرك أنّ الدين في جوهره هو معرفة الله، وإظهار التواضع والعبودية له ممتزجَين بعواطف الحبّ والخوف. وأبرز تعبير عن هذا الجوهر هو العبادة، والتضرّعُ إلى الله وتعظيمُه وحمدُه وشكرُه والركوع والسّجود له هي المظاهر العملية للعبادة. وليست الصلاة إلا تعبيراً عنها، وهي بوتقة تمتزج فيها تلك المظاهر امتزاجاً بديعاً.

تحتل الصلاة أهمية استثنائية في الدين، والمكانةُ التي يحتلها التوحيد في العقيدة مماثلة للمكانة التي تحتلها الصلاة بين العبادات، وقد جُعِل ذكر الله خصيصة فطرية متأصلّة في الإنسان، وبيَّن القرآن أنّ الصلاة هي الثمرة الأبرز من ثمار معرفة الله التي يتولّى الوحي الإلهي تذكيره بها دوماً، وهي أيضاً نتيجة لعواطف الحبّ والامتنان من الإنسان إلى خالقه. إنها عماد الدين، وشرط من شروط تسمية الإنسان بالمسلم في الدنيا والآخرة، وهي وسيلته للثبات على دينه وقهر الصعاب، ومحو الذنوب، وهي ميزة الدعوة الصادقة، وسلاح المثابرة على الحقِّ، وجوهر كلّ شيء في الكون. وعندما تصل معرفة الله وتذكرّه والشعور بقربه إلى الأوج والكمال تتحول إلى صلاة، وقد أجمع حكماء الدنيا على أنّ الحياة الحقيقية هي الحياة الروحية المتمثّلة في ذكر الله ومعرفته والتقرب منه، وليس هناك ما يُوفِّر هذه الحياة ويقدّمها للمؤمن سوى الصلاة.

1- تاريخ الصلاة.

  1. تاريخ الصلاة

إنَّ تاريخ الصلاة قديم قدمَ الدين نفسه، ويمكن التعرّف بمفهومها وشعائرها ومواقيتها في كلّ الأديان؛ فأناشيد الهندوس، وترانيم الزرادشتيين، وابتهالات المسيحيين، ومزامير اليهود، هي أشكال متبقية منها. ويخبرنا القرآن بأنّ الأنبياء كانوا قد وُجِّهوا لأدائها، وهي تحتل أقصى مكانة في الحنيفية الإبراهيمية التي كان النبي مُحَمَّد (ص) قد أحياها. ولذلك عندما أمر القرآن الناس بأدائها لم تكن شيئاً غريباً عليهم، وكانوا واعين تمام الوعي بشروطها المسبقة وآدابها وشعائرها وصيغَها اللفظية. وكما أدِّيت بوصفها من تقاليد الحنيفية الإبراهيمية وشعائرها، فقد أدّاها النبي مُحَمَّد (ص) بأمر قرآني، ولكنَّه أضاف إليها تعديلات معينة، وأمر أتباعه بأدائها بالأسلوب نفسه جيلاً بعد جيل.

2- شروط الصلاة.

2-1- شروط الصلاة

فيما يلي شروط الصلاة الصحيحة:

أ- يجب ألّا يكون المرء في حالة سكر.

ب- يجب ألا تكون المرأة حائضاً أو نفساء.

ج- أن يؤدّي شعائر الوضوء. وفي حالة الجنابة، وحالات الحيض والنفاس عند المرأة، لا بدّ من الاغتسال.

دـ إذا كان الإنسان على سفر أو مرض أو افتقد الماء، فلا بدّ من التيمّم عندما يصبح الوضوء والاغتسال صعباً عليه في الحالتين الأولى والثانية.. وطريقة أداء الوضوء هي غسل الوجه أولاً، ثم اليدين إلى المرفقين، والرأس كلّه، ثم أخيراً غسل القدمين.

هـ- يجب على المُصلِّي استقبال القِبلة.

يبقى الوضوء بعد تأديته سليماً حتى يحدث شيء ينقضه، ونتيجةً لذلك، فإن حكم الوضوء ينطبق على الحالة التي لم يعد فيها الوضوء سليماً، إلّا إذا توضّأ وهو في حالة الوضوء دفعاً لأيِّ شك وحبّاً للطمأنينة.

وفيما يلي الأشياء التي تنقض الوضوء:

  1. التبوّل.
  2. التغوّط.
  3. إطلاق الريح صائتاً كان أم صامتاً.
  4. خروج المني أو المذي من الرجل، وسوائل الحيض والنفاسس عند المرأة.

إذا أصبح الوضوء والاستحمام متعذراً عندما يكون المرء على سفر أو مرض، أو عند فقدان الماء، أُبِيح التيمّم بالطريقة التالية: فرك اليدين بسطح التراب النظيف، ثم المسح على الرأس واليدين، ويكفي ذلك للتطهّر من كلّ أنواع النجاسة، ويتمّ على النحو المذكور بعد نواقض الوضوء المذكورة آنفاً، ويكون بعد الجِماع بدلاً من الاستحمام. وعلاوة على ذلك، فإنّ المرء يمكنه التيمُّم في حالة السفر أو المرض حتى مع توفر الماء.

والتيمّم، على ما يبدو، لا يأتي بالطهارة الحقيقية لأنه يهدف إلى تذكير المؤمن بالطهارة لما لها من أهمية بالغة. وتميل الشريعة إلى القول: إنّ الإنسان إذا عجز عن تنفيذ حكم الله في صورته الأصلية، يتبنى صوراً بديلة تؤدي وظيفة التذكير بالصورة الأصلية. والفائدة الكبيرة من وراء ذلك هو معرفة أنّ فطرة الإنسان تميل للعودة إلى الحكم الأصلي عند عودة الظروف إلى وضعها الطبيعي.

3- كيفية أداء الصلاة (الطريقة والخطوات).

1-3- شعائر الصلاة (الطريقة والخطوات)

أقرت الشريعة الإسلامية شعائر الصلاة كما يلي:

يبدأ المصلّي صلاته برفع اليدين كلتيهما مع الوقوف منتصباً، يتلوه الركوع ثم الوقوف، وتليه سجدتان متتاليتان، ويجلس وقدماه مطويتان إلى الوراء في الركعتين الثانية والأخيرة؛ وحين ينوي إنهاء الصلاة يدير وجهه ذات اليمين وذات الشمال مُسَلِّماً.

4- أذكار الصلاة.

1-4- أذكار الصلاة

– يفتتح المصلّي صلاته بـقول: (الله أكبر).

– ثم يتلو سورة الفاتحة تحديداً أثناء القيام، ويتلو بعدها ما يتيسّر له من القرآن.

– ويقول: (الله أكبر) حين يهمّ بالركوع.

– ويقول: (سمع الله لمن حمده) عند النهوض من الركّوع.

– ويقول (الله أكبر) عندما يهمّ بالسجود وينهض منه.

– يقول (الله أكبر) عند النهوض للقيام من الجلوس بين السجدتين.

– ويختتم صلاته بالقول: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) مرتين: مرة وهو يلتفت إلى اليمين، ومرة وهو يلتفت إلى الشمال.

ويجب على الإمام أن يردّد دائماً (الله أكبر، سمع الله لمن حمد، السلام عليكم ورحمة الله) بصوت مرتفع، ويجدر بنا الانتباه هنا إلى وجود اختلافات طفيفة بين صلاة وأخرى على النحو الآتي: تكون التلاوة جهراً في الركعتين الأوليين من صلاة المغرب والعشاء، وفي ركعتي الفجر والجمعة والعيد، وتكون التلاوة صامتة في الركعة الثالثة من المغرب، وفي الركعتين الثالثة والرابعة من صلاة العشاء، وفي صلاة الظهر والعصر تكون التلاوة صامتة في الركعات الأربع كلِّها.

هذه هي الشعائر المقرَّرة للصلاة، وتكون في اللغة العربية، وما عدا ذلك، يمكن للمصلِّين من غير العرب أن يذكروا في صلواتهم أيّ نوع من التسبيح والتحميد والامتنان لله بلغاتهم الخاصة.

5- مواقيت الصلاة.

1-5- مواقيت الصلاة

فُرِضت الصلاة على المسلم خمس مرات في اليوم، وتؤدّى في مواقيت مُحدّدة هي: الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء.

الفجر: عندما يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الصبح،

والظهر: هو وقت زوال الشمس عن منتصف النهار.

والعصر: إذا نزلت الشمس عن مرأى العين تحت خطّ البصر.

والمغرب: هو وقت غروب الشمس.

والعِشاء: هو وقت غروب الشَّفَق الأحمر واختفائه.

ويبقى وقت الفجر حتى شروق الشمس، ويبقى وقت الظهر حتى يبدأ العصر، ويبقى وقت العصر حتى المغرب، ويبقى وقت المغرب حتى العشاء، ويبقى وقت العشاء حتى منتصف الليل. وأوقات شروق الشمس وغروبها ممنوعة للصلاة لأنّ الشمس كانت تُعبَد في هذه الأوقات. وظلت هذه الأوقات كما هي في عهود الأنبياء الآخرين أيضاً.

6- رَكَعات الصلاة.

1-6- ركعات الصلاة

ركعات الصلاة كما أقرّتها الشريعة هي:

  1. الفجر: ركعتان.
  2. الظهر: أربع.
  3. العصر: أربع.
  4. المغرب: ثلاث.
  5. العشاء: أربع.

هذه هي ركعات الصلاة الإلزامية المفروضة على المسلم الذي يعرّضه تركُها إلى الحساب يوم القيامة. ويجب أن تؤدّى كاملة إلّا في صلاة القصر. وكلّ الركعات الأخرى الزائدة هي من السُّنَّة الاختيارية يُثاب المصلّي عليها إذا أدّاها، لكنّه لا يُحاسب على تركها.

7- التخفيف والقصر في الصلاة.

1-7- صلاة القصر (تخفيف الصلاة)

إذا حان موعد الصلاة في ظروف خطيرة ومضطربة لا تسمح بتأديتها على الوجه المعهود، أباح الله تأديتها وقوفاً على الأقدام، أو ركوناً على الدواب مهما كانت وضعيتها. وهذه الظروف، كما هو واضح، لن تسمح بأداء صلاة الجماعة أو بمواجهة القِبلة، وثمة حالات أصعب تمنع من الالتزام بشعائر الصلاة المعروفة.

بيّن القرآن أنّ الظروف الصعبة أثناء السفر قد تفرض اختصار الصلاة إلى الحدّ المسموح به، ويُسمَّى ذلك (القَصر)، ونصّت السُّنَّة بهذا الصدد على اختصار صلاة الأربع ركعات إلى ركعتين، ولم تُجِز تقصير صلاة الركعتين (الفجر) أو الركعات الثلاث (المغرب)، لأن صلاة الفجر هي في الأصل مؤلفة من ركعتين، وصلاة المغرب هي وتراليوم ،ويمكن بالإضافة إلى ما ورد التساهل في مواقيت الصلاة في حالة السفر بحيث يمكن الجمع بين صلاتي الظهر والعصر، أو بين المغرب والعشاء في صلاة واحدة.

8- صلاة الجماعة.

1-8- صلاة الجماعة

يمكن أن يؤدّي المصلّي صلاته منفرداً، ولكن من المفضَّل أن يؤدِّيَها في جماعة، وفي المسجد وفق ما تسمح به الظروف. ولهذا فقد بنى النبي (ص) مسجداً فور وصوله إلى المدينة، فاختطّ بهذه الطريقة سُنَّة بناء المساجد في كلّ موقع أو بقعة يحلّ بها المسلمون، والحرص على أداء الصلاة في جماعة في المسجد هي عادة يجني المسلم ثمارها لأنها تستدرّ الرحمة الإلهية. ومع أنَّ المرأة معفاة من صلاة الجماعة، فإنّ على الرجل ألّا يتخلف عنها إلّا بعذر مقنع.

وفيما يلي طريقة أداء الصلاة الجماعية:

يُرفَع الأذان قبل الصلاة حتى تكون هناك فرصة كافية لمن يرغب في الانضمام إليها، وصيغة الأذان اللغوية كما وردت عن النبي هي:

“الله أكبر، أشهد أنّ لا إله إلا الله، أشهد أنَّ مُحَمَّداً رسول الله، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، الله أكبر، لا إله إلّا الله”.

إذا كان هناك مُصَلٍّ واحد، فإنّه يقف بجوار الإمام عن يمينه، وإذا كان ثمة جماعة، يقف المصلون خلفه في صفوف نسقية، ويقف الإمام أمامهم في الوسط، وينادي على الإقامة قبل بدء الصلاة، وهي تشتمل على كلمات الأذان نفسها مع إضافة عبارة “قد قامت الصلاة” بعد جملة “حيِّ على الفلاح”. وللمؤذِّن أن يكرِّر صيغة الأذان أكثر من مرة لإعطاء مزيد من الوقت للذين لمّ ينضمّوا إلى صلاة الجماعة بعد، وحثّهم على الإسراع إلى المسجد، وتُكَرَّر كلمات (الإقامة) بالطريقة ذاتها إذا دعت الضرورة.

9- سجود السّهو (إصلاح أخطاء الصلاة).

1-9- سجود السّهو (إصلاح أخطاء الصلاة)

إذا حدث خطأ أو اشتبه المصلّي بوقوع خطأ في شعائر الصلاة القولية والحركية، اقتضت السُّنَّة إصلاحه إذا أمكن مع تأدية سجدتين قبل نهاية الصلاة، وحين يتعذر (وإذا تعذر) إصلاح الخطأ، لا تؤدى إلّا السَّجدتين.

10- صلاة الجمعة.

1-10- صلاة الجمعة

فرض الله على المسلمين أيامَ الجمعة أن يؤدّوا الصلاة جماعة في المسجد، في وقت صلاة الظُّهر على النحو التالي:

– تتألف صلاة الجمعة من ركعتين.

– يجب أن تكون التلاوة صامتة في الركعتين كلتيهما على عكس صلاة الظهر في الأيّام الأخرى.

– تُتلى جملة (قد قامت الصلاة) قبل أداء الصلاة.

– يلقي الإمام قبل الصلاة خطبتين ليذكّر الناس بتعاليم الدين ويحثّ عليها وهو واقف، ويحقّ له أن يقعد لوقت قصير بين الخطبة الأولى والثانية.

– يُرفع الأذان للصلاة عندما يصل الإمام إلى المكان الذي سيلقي فيه الخطبة.

– يُفرض على المسلمين من الرجال بعد رفع الأذان تركُ أعمالهم ومشاغلهم والتوجّه إلى المسجد إن لم يكن ثمة عذر مانع.

– تُلقى الخطبة وتؤدّى الصلاة بإمامة حكّام المسلمين أو من ينوب عنهم في أماكن تحدَّدت مسبقاً من قبلهم.

11- صلاة العيد.

1-11- صلاة العيد

يؤدي المسلمون صلاة عيدي الفطر والأضحى جماعةً على منوال صلاة الجمعة بعد ارتفاع الشمس وقبل زوالها على النحو التالي:

– تتألف صلاة العيد من ركعتين.

– وتكون التلاوة جهرية في كلتا الركعتين.

– ثم تُتلى بعض التكبيرات الإضافية أثناء (القيام).

– لن يكون هناك أذان ولا إقامة.

– يلقي الإمام بعد ذلك خطبتين واقفاً ليُذَكِّر الناس بتعاليم الإسلام، ويحقُّ له على غرار صلاة الجمعة أن يجلس بين الخطبتين بعض الوقت.

– كما هو الأمر في صلاة الجمعة، تؤدّى الصلاة وتلقى الخطبة بإمامة حكام المسلمين، أي إنّ الحاكم أو من ينوب عنه هو مَن يؤمّ الصلاة ويلقي الخطبة شخصياً وتؤدى في اماكن تم تحديدها مسبفا من قبل الحكام.

12- صلاة الجنازة.

1-12- صلاة الجنازة

الصلاة على الميّت فرض لازم في كلّ الأديان، فما إن يُغَسَّل الميت ويكفَّن حتى يُصلّى عليه كما يلي:

يقف الناس خلف الإمام منتظمين في صفوف، بينما يُسجّى جسده بينهم وبين القِبلة، وتبدأ الصلاة بقول: (الله أكبر) مع رفع اليدين، ويمكن إضافَة بعض التكبيرات على غرار صلاة العيد. وتنتهي الصلاة بعد (السلام) أثناء الوقوف الذي يلي التكبيرات والدّعاء.

يشير ما سبق إلى الحدّ الأدنى من العبادة المفروضة المتعلقة بالصلاة. ومع ذلك، يقول القرآن إنّ من قام بعمل فاضل برغبته الطوعية الخاصة فسيقبله الله، يقول القرآن: ﴿ومن تطوّع خيراً فإنَّ الله شاكر عليم﴾22. وبالمثل، ورد في القرآن أنّه يجب طلب المساعدة بالمثابرة على الصلاة في أوقات الشدة: ﴿استعينوا بالصبر والصلاة﴾23. يُظهِر المسلمون بامتثالهم لهذه التوجيهات، إلى جانب أدائهم الصلوات المفروضة، الاجتهادَ واليقظة في أداء الصلوات الاختيارية. ويمكن البحث عن تفاصيل هذه الصلوات الاختيارية (النوافل) التي قدّمها النبي (ص) أو حثّ الآخرين على تقديمها في الأحاديث المروية.

22. البقرة: 158.

23. البقرة: 153.

الزكاة:

2- الزّكاة

الزكاة هي العبادة الثانية بعد الصلاة من حيث الأهمية وتتمثل أشكالها القديمة في تقديم بعض المال والحيوان وغلال الأرض إلى الآلهة تقرباً منها، وهذا هو جوهر الزكاة عند الأنبياء. وتتخذ الزكاة أيضاً أسماء متعددة كالصدقة والهدية والنَذْر والقربان والعطية، واستخدم القرآن في مواضع عدّة كلمة (الصدقة) للدلالة عليها، وأوصى بدفعها بكلّ تواضع وإخلاص.

والعرف العام الذي درج عليه الناس قديماً هو تقديم النَّذْر إلى خُدَّام المعابد والهياكل الدينية والقيمّين عليها، ليقوم هؤلاء بتوزيعها على أتباعهم وتلبية احتياجاتهم الأساسية. أمّا المسلمون فقد أُمِروا أن يقدِّموا زكاة أموالهم إلى خلفائهم وولاتهم لتلبية احتياجات الدولة والمحتاجين إليها بشكل عام. ومهما اختلفت أشكال الزكاة وأسماؤها من زمن إلى آخر، فإن مفهومها الجوهري واحد لا يتغيّر، ويتمثّل في تقديم الإنسان شيئاً مما يملكه إلى خالقه الذي يؤمن به.

1- تاريخ الزكاة.

2-1- تاريخ الزكاة

يتشابه تاريخ الزكاة وتاريخ الصلاة، فقد نصّت شريعة الأنبياء السابقين على الزكاة. وحين يأمر الله بدفعها لا يجد الناس في هذا الأمر ما يثير الاستغراب، وأتباع الديانة الإبراهيمية على وعي تامّ بهذه المسألة، ما يعني أنَّها كانت سُنَّة سابقة أرسى الرسول على أساسها شريعة الزكاة بأمر إلهي بعد أن أخضعها لبعض التعديلات.

2- الغاية من الزكاة.

2-2- الغاية من الزكاة

يمكن تحديد هدف الزكاة من مدلول اسمها اللغوي الذي يدل جذره في العربية على معنَيَي الطُّهر والنَّماء. ويتَّضح من ذلك أنَّ هدف الزكاة هو هدف الإسلام برمّته، إذ يُطَهِّر النفس من شائبة حبّ المال، ويرفدها بالبركة، ويعمل بفعالية على تطهير الروح الإنسانية من أدرانها ومثالبها كافّة. وزكاة المال هي الحدّ الأدنى من الإلزام بالإنفاق في سبيل الله، ويجب دفعها مهما كلّف الثمن. وهي تُحَقِّق للإنسان من لذة الأريحية ما يفوق حدّها الاعتيادي، وتربط قلب المؤمن بربّه بوشيجة وثقى، وتحرِّره من اللامبالاة التي تنشأ عادة من حبّ الدنيا وكنوزها.

3- شريعة الزكاة

2-3- شريعة الزكاة (أحكام فقهية)

يمكن شرح هذه الأحكام على النحو الآتي:

لا شيء مُعفى من الزكاة إلّا وسائل الإنتاج التجاري والمهني والزراعي وأدواته، والأشياء الشخصية ذات الاستعمال اليومي، وكمية المال الثابتة (النِّصاب)، بينما تُفرَض الزكاة على الثروة من كلِّ نوع (المال والذهب والجواهر)، وعلى بهائم الأنعام من كلِّ صنف (الإبل والبقر والغنم…)، وعلى خَراج الأرض وغِلالها من كلِّ نوع يكون الإنسان مسؤولاً عنه. ويمكن أن يُقاس عليها الإنتاج التجاري والصِّناعي.

وفيما يلي المعدّل الوسطي للزكاة محسوبة بالنسبة المئوية.

-الثروات: 2.5% سنوياً.

-الإنتاج: 5% على المواد المنتَجة بشكل أساسي عن طريق الاندماج بين العمل ورأس المال، و10% على المواد التي يكون العامل الأساسي في إنتاجها العمل أو رأس المال، و20% على المواد التي ليس لرأس المال أو العمل دور في إنتاجها، وإنما هي وَقْفٌ من الله.

– بهائم الأنعام.

أ-الإبل.

– من 5 إلى 24 جملاً: شاة واحدة على كلّ خمسة جمال.

– من 25 إلى 35 جملاً: ناقة واحدة بعمر سنَّة، وإذا لم تتوفر فجَمَل بعمر سنتين.

– من 36 إلى 45: ناقة واحدة بعمر سنتين.

– من 46 إلى 60: ناقة واحدة بعمر ثلاث سنوات.

– من 61 إلى 75: ناقة واحدة بعمر أربع سنوات.

– من 76 إلى 90: ناقتان بعمر سنتين.

– من 91 إلى 120: ناقتان بعمر ثلاث سنوات.

– أكثر من 120: ناقة واحدة بعمر سنتين لكلّ أربعين جملاً وناقة بعمر ثلاث سنوات لكلّ خمسين جملاً.

ب- الأبقار.

– عجل واحد بعمر سنة واحدة لكلّ ثلاثين بقرة.

– الشياه (الماعز والغنم.)

– من 40-120: شاة واحدة.

– من 121-200: شاتان.

– من 201 إلى 300: ثلاث شياه.

أكثر من 300: شاة واحدة لكلّ مئة ذكر.

أمّا نفقات الزكاة كما وردت في القرآن، فهي على النحو التالي:

– الفقراء والمحتاجون.

– رواتب موظفي الدولة.

– النفقات السياسية التي تصبّ في مصلحة الإسلام والمسلمين.

– التحرّر من جميع أشكال العبودية.

– مساعدة الذين يتكبّدون خسائر اقتصادية، أو الذين أثقلتهم الغرامات والديون.

– خدمة الإسلام ورفاهية المواطنين.

– مساعدة المسافرين، وشقّ الطرق، وبناء الجسور والخانات.

تعدُّ صدقة الفطر أحد أشكال الزكاة، وتساوي مقدار ما ينفقه الإنسان على طعامه لمدة يوم واحد، وهي واجبة على كلّ شخص سواء أكان شابّاً أم شيخاً، وتُقدَّم في نهاية رمضان قبل صلاة العيد.

الصيام:

3- الصيام

يحتل الصيام في الدين الإسلامي المرتبة الثالثة بعد الصلاة والزكاة. وكلمة (صوم) التي تُستعمَل في العربية للدلالة على هذا المعنى تعني حرفياً «الامتناع عن الشيء» و«التخلّي عن الشيء». أمّا المعنى الاصطلاحي، فيشير إلى حالة الشخص التي يمسك فيها عن الطعام والشراب والجِماع بحدود وشروط معينة.

يُعبّر الإنسان عن نفسه من خلال أفعاله وممارساته؛ فعندما ترتبط عاطفة عبادته لله بهما، تتجلّى هذه العواطف في إطاعة أوامره، ويُعتبر الصوم تعبيراً رمزيّاً عن تلك الطاعة.

يمتنع الشخص أثناء الصيام عمّا كان مُباحاً له في الأصل امتثالاً لأوامر الله لكي يفوز برضاه، فيصبح بذلك تجسيداً للطاعة، ويعترف ضمنياً بأنّ لا شيء أعظم من أمر الله. فإذا حرّم الله عليه تحريماً كاملاً ما كان محلَّلاً له تحليلاً كاملاً حسب قانون الفطرة البشرية، فجدير به كعبد أن يطيع خالقه دون تردد مهما كان.

وإذا فكّرنا قليلاً نكتشف أن هذه الحالة التي يختبر فيها الإنسان قوة الله، ويعترف به وبعظمته وجلالته هي تعبير حقيقي عن امتنانه له، وأعلن القرآن على هذا الأساس أنّ الصوم هو تعظيم لله، ووسيلة للتعبير عن الامتنان له، وأنّ شهر رمضان قد خُصِّص لهذه الغاية، فقد أنزل القرآن فيه دليلاً للعقل البشري مشتملاً على بيّنات جليّة للتمييز بين الحقّ والباطل، ويمكن للناس، اعتماداً عليه، أن يُعَظِّموا الله، ويُقدِّموا له آيات الامتنان.

والفضيلة التي ينالها الشخص من هذه العبادة أنّه يفرض على نفسه ضوابط أخرى تُلزِمه بالتردّد إلى المسجد أيّاماً معدودة لعبادة الله ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وهو ما يُسمَّى في الاصطلاح الديني (الاعتكاف) الذي يُعدّ سلوكاً طوعياً تكمن أهميته في تطهير النفس التي تترقّى في معارج السمُوّ الناتج من الجمع بين الصلاة والصوم وقراءة القرآن والتبتّل إلى الله.

1- تاريخ الصوم.

3-1- تاريخ الصوم

الصّيام كالصلاة شعيرة قديمة. يذكر القرآن أنّ الصيام فُرِض على المسلمين كما فرض على الأمم السابقة، وهو بوصفه عبادةً تدرّب النفس وتهذبّها موجود بشكل أو بآخر في كلِّ الأديان.

2- الغاية من الصوم.

4- الحجّ والعُمرَة

تُعتَبر هاتان الشعيرتان في الديانة الإبراهيمية ذروة العبادة، ويبدأ تاريخ كلٍّ منهما بإعلان سيدنا إبراهيم، بعد بناء بيت الله، أنّ على الناس جميعاً أن يُيَمِّموا وجوههم شطر البيت الحرام، ويُكرِّسوا نفوسهم لعبادة الله وتجديد التزامهم بالإيمان بإله واحد. والمرتبة الأسمى التي ينالها الإنسان من عبادة الله هو استعداده للتضحية بحياته وثروته في سبيل الله. والحجّ والعُمرَة هما دليلان واضحان على هذه التضحية ووجهان لحقيقة واحدة، لكنّ الفارق بينهما هو أنّ العمرة موجزة، أمّا الحجّ فأشمل وأوسع وأدلّ على الغاية التي من أجلها تتمّ التضحية بالمال والنفس.

أخبرَنا الله تعالى أنّ الشيطان قد أعلن الحرب عليه وعلى الإنسان منذ اليوم الأول. وبناءً على ذلك خلق الله سيدنا آدم وأنزله إلى الدنيا لتكون ذريّته في أتم الاستعداد لمحاربة عدوّها الرئيسي إلى يوم القيامة في شكل اختبار خُلِق العالم بناءً عليه، ويعتمِد عليه مستقبل البشرية نجاحاً أو فشلاً، ويتطلب بذلَ المال والنفس لتحقيق النجاح.

يترك عباد الله انغماسَهم في عَرَض الدنيا، ويهجرون ملذّاتِهم وممتلكاتِهم امتثالاً لأمر الله، ثم يتقدّمون إلى ساحة المعركة مردّدين: لبّيك اللهمّ لبّيك، ويضربون خيامهم في وادٍ كالمحاربين.

يصلون في اليوم التالي إلى حقل مفتوح طلباً لمغفرة الله وهم يصلّون ويتضرّعون إليه، ليمنحهم النصر في هذه المعركة، مُصغين بكلّ جوارحهم إلى خطبة الإمام.

ووفقاً لهذا التمثيل الرمزي (الحجّ هو حرب مع الشيطان) فإنّهم يؤدّون صلواتهم قَصْراً وجمعاً، ثم يعودون إلى خيامهم، بعد قضاء مدة قصيرة في الطريق، ثم يرجمون الشيطان بعد ذلك بالحجارة، ويضحّون بأنفسهم لله تضحيةً رمزية عن طريق التضحية بالحيوان بدلاً من الإنسان، ثم يحلقون رؤوسهم ويتوجهون إلى مكان القرينة الحقيقي بعد أداء طواف النَّذر، ثم يعودون إلى خيامهم. وبعد يومين أو ثلاثة أيام يرجمون الشيطان مرةً ثانية. وهكذا، ومن زاوية هذه الرؤية، فإنّ الإحرام في الحج والعُمرة هو رمز لتخلي المؤمن عن ملذّاته ومفاتن الدنيا ومشاغلها مرتدياً قطعتي ثياب منفصلتين غير مخيطتين كراهب حاسر الرأس، شِبه حافي القدمين، ممتلئاً عزماً وتصميماً على الوصول إلى حضرة الله.

والتلبية هي الاستجابة لنداء سيدنا إبراهيم الذي أطلقه وهو واقف على صخرة بعد إعادة بناء الكعبة، والذي وصل صداه إلى كلّ ركن من هذا العالم، فيستجيب له عباد الله مردّدين: (لبيك اللهم لبيك) معترفين بفضل الله، مؤكدين إيمانهم بالتوحيد.

وطواف النذر هو تقليد قديم موروث عن الحنيفية الإبراهيمية، إذ يقوم الحُجّاج بتمشية الحيوانات التي سيُضحّى بها ذهاباً وإياباً أمام المذبح.

ويرمز استلام الحجر الأسود إلى تجديد العهد مع الله، فيقوم الحاجّ بوضع يده على الحجر الذي يرمز إلى يد الله، ويقبّله لإعادة تجديد العهد مع الله حسب التقاليد القديمة، إذ يُسَلِّم الحُجّاج – وفقاً له – حياتهم وأموالهم إلى الله مقابل الفوز بالجنة.

السعي هو الطواف حول المكان الذي قُدِّم فيه سيدنا إسماعيل كأضحيّة. وقد رأى سيدنا إبراهيم ذلك المكان وهو واقف على تلة الصّفا (جبل الصَّفا)، حتى إذا سمع نداء ربه مشى بسرعة إلى جبل المروة، وهكذا فإنّ طواف الصفا والمروة هو طواف النَّذر الذي تمت تأديته أمام الكعبة أول مرة، ثم أمام المذبح بعد ذلك.

وعرفات هو بديل الكعبة حيث يحتشد المحاربون ضدّ الشيطان، ويطلبون إلى الله أن يغفر ذنوبهم، ويصلّون إليه طالبين العون والمَدَد.

ومزدلفة هي المكان الذي يتوقف فيه المحاربون لقضاء الليل، حيث يصلّون مرة أخرى، ويتضرّعون إلى الله عندما ينهضون صباحاً لينطلقوا إلى أرض المعركة.

يرمز رمي الجمار إلى لعن إبليس ومحاربته، وينتهي هذا الطقس بإصرار المؤمن على هزيمة العدو، ولا شيء أقلّ من ذلك.

من المعروف أنّ العدوّ الأبدي للإنسان (إبليس) مصرّ على الوسوسة في عقول الناس. ومع ذلك، إذا قاوم العبد ما يفعله إبليس، فإنّ هجومه سيَضعف شيئاً فشيئاً، ويُعتبَر رمي الجمرات لمدة ثلاثة أيام (الجمرات الكبرى والوسطى والصغرى) رمزاً لتلك المقاومة واستمرارها.

ترمز التضحية بالحيوان إلى التضحية بالبشر، وتعني أنّ المؤمن مستعدٌّ لتقديم حياته في سبيل الله. ويرمز حلق الرأس إلى أنّ الذبيحة قد قُدِّمت، وأنّ عملية التضحية تمّت. ويُمكِن لمن أدّى فريضة الحجّ أن يعود الآن إلى دياره وهو يحمل على جسده ورأسه الحليق رمز العبودية الأبدية لله.

توضّح التفاصيل السابقة عظَمة الحجّ الذي فرضه الله على كلِّ مسلم قادر على تحمّل نفقاته مرة واحدة في الحياة.

3- شريعة الصوم وأحكامه.

4- الحجّ والعُمرَة

تُعتَبر هاتان الشعيرتان في الديانة الإبراهيمية ذروة العبادة، ويبدأ تاريخ كلٍّ منهما بإعلان سيدنا إبراهيم، بعد بناء بيت الله، أنّ على الناس جميعاً أن يُيَمِّموا وجوههم شطر البيت الحرام، ويُكرِّسوا نفوسهم لعبادة الله وتجديد التزامهم بالإيمان بإله واحد. والمرتبة الأسمى التي ينالها الإنسان من عبادة الله هو استعداده للتضحية بحياته وثروته في سبيل الله. والحجّ والعُمرَة هما دليلان واضحان على هذه التضحية ووجهان لحقيقة واحدة، لكنّ الفارق بينهما هو أنّ العمرة موجزة، أمّا الحجّ فأشمل وأوسع وأدلّ على الغاية التي من أجلها تتمّ التضحية بالمال والنفس.

أخبرَنا الله تعالى أنّ الشيطان قد أعلن الحرب عليه وعلى الإنسان منذ اليوم الأول. وبناءً على ذلك خلق الله سيدنا آدم وأنزله إلى الدنيا لتكون ذريّته في أتم الاستعداد لمحاربة عدوّها الرئيسي إلى يوم القيامة في شكل اختبار خُلِق العالم بناءً عليه، ويعتمِد عليه مستقبل البشرية نجاحاً أو فشلاً، ويتطلب بذلَ المال والنفس لتحقيق النجاح.

يترك عباد الله انغماسَهم في عَرَض الدنيا، ويهجرون ملذّاتِهم وممتلكاتِهم امتثالاً لأمر الله، ثم يتقدّمون إلى ساحة المعركة مردّدين: لبّيك اللهمّ لبّيك، ويضربون خيامهم في وادٍ كالمحاربين.

يصلون في اليوم التالي إلى حقل مفتوح طلباً لمغفرة الله وهم يصلّون ويتضرّعون إليه، ليمنحهم النصر في هذه المعركة، مُصغين بكلّ جوارحهم إلى خطبة الإمام.

ووفقاً لهذا التمثيل الرمزي (الحجّ هو حرب مع الشيطان) فإنّهم يؤدّون صلواتهم قَصْراً وجمعاً، ثم يعودون إلى خيامهم، بعد قضاء مدة قصيرة في الطريق، ثم يرجمون الشيطان بعد ذلك بالحجارة، ويضحّون بأنفسهم لله تضحيةً رمزية عن طريق التضحية بالحيوان بدلاً من الإنسان، ثم يحلقون رؤوسهم ويتوجهون إلى مكان القرينة الحقيقي بعد أداء طواف النَّذر، ثم يعودون إلى خيامهم. وبعد يومين أو ثلاثة أيام يرجمون الشيطان مرةً ثانية. وهكذا، ومن زاوية هذه الرؤية، فإنّ الإحرام في الحج والعُمرة هو رمز لتخلي المؤمن عن ملذّاته ومفاتن الدنيا ومشاغلها مرتدياً قطعتي ثياب منفصلتين غير مخيطتين كراهب حاسر الرأس، شِبه حافي القدمين، ممتلئاً عزماً وتصميماً على الوصول إلى حضرة الله.

والتلبية هي الاستجابة لنداء سيدنا إبراهيم الذي أطلقه وهو واقف على صخرة بعد إعادة بناء الكعبة، والذي وصل صداه إلى كلّ ركن من هذا العالم، فيستجيب له عباد الله مردّدين: (لبيك اللهم لبيك) معترفين بفضل الله، مؤكدين إيمانهم بالتوحيد.

وطواف النذر هو تقليد قديم موروث عن الحنيفية الإبراهيمية، إذ يقوم الحُجّاج بتمشية الحيوانات التي سيُضحّى بها ذهاباً وإياباً أمام المذبح.

ويرمز استلام الحجر الأسود إلى تجديد العهد مع الله، فيقوم الحاجّ بوضع يده على الحجر الذي يرمز إلى يد الله، ويقبّله لإعادة تجديد العهد مع الله حسب التقاليد القديمة، إذ يُسَلِّم الحُجّاج – وفقاً له – حياتهم وأموالهم إلى الله مقابل الفوز بالجنة.

السعي هو الطواف حول المكان الذي قُدِّم فيه سيدنا إسماعيل كأضحيّة. وقد رأى سيدنا إبراهيم ذلك المكان وهو واقف على تلة الصّفا (جبل الصَّفا)، حتى إذا سمع نداء ربه مشى بسرعة إلى جبل المروة، وهكذا فإنّ طواف الصفا والمروة هو طواف النَّذر الذي تمت تأديته أمام الكعبة أول مرة، ثم أمام المذبح بعد ذلك.

وعرفات هو بديل الكعبة حيث يحتشد المحاربون ضدّ الشيطان، ويطلبون إلى الله أن يغفر ذنوبهم، ويصلّون إليه طالبين العون والمَدَد.

ومزدلفة هي المكان الذي يتوقف فيه المحاربون لقضاء الليل، حيث يصلّون مرة أخرى، ويتضرّعون إلى الله عندما ينهضون صباحاً لينطلقوا إلى أرض المعركة.

يرمز رمي الجمار إلى لعن إبليس ومحاربته، وينتهي هذا الطقس بإصرار المؤمن على هزيمة العدو، ولا شيء أقلّ من ذلك.

من المعروف أنّ العدوّ الأبدي للإنسان (إبليس) مصرّ على الوسوسة في عقول الناس. ومع ذلك، إذا قاوم العبد ما يفعله إبليس، فإنّ هجومه سيَضعف شيئاً فشيئاً، ويُعتبَر رمي الجمرات لمدة ثلاثة أيام (الجمرات الكبرى والوسطى والصغرى) رمزاً لتلك المقاومة واستمرارها.

ترمز التضحية بالحيوان إلى التضحية بالبشر، وتعني أنّ المؤمن مستعدٌّ لتقديم حياته في سبيل الله. ويرمز حلق الرأس إلى أنّ الذبيحة قد قُدِّمت، وأنّ عملية التضحية تمّت. ويُمكِن لمن أدّى فريضة الحجّ أن يعود الآن إلى دياره وهو يحمل على جسده ورأسه الحليق رمز العبودية الأبدية لله.

توضّح التفاصيل السابقة عظَمة الحجّ الذي فرضه الله على كلِّ مسلم قادر على تحمّل نفقاته مرة واحدة في الحياة.

الحَجّ والعُمْرَة:

4- الحجّ والعُمرَة

تُعتَبر هاتان الشعيرتان في الديانة الإبراهيمية ذروة العبادة، ويبدأ تاريخ كلٍّ منهما بإعلان سيدنا إبراهيم، بعد بناء بيت الله، أنّ على الناس جميعاً أن يُيَمِّموا وجوههم شطر البيت الحرام، ويُكرِّسوا نفوسهم لعبادة الله وتجديد التزامهم بالإيمان بإله واحد. والمرتبة الأسمى التي ينالها الإنسان من عبادة الله هو استعداده للتضحية بحياته وثروته في سبيل الله. والحجّ والعُمرَة هما دليلان واضحان على هذه التضحية ووجهان لحقيقة واحدة، لكنّ الفارق بينهما هو أنّ العمرة موجزة، أمّا الحجّ فأشمل وأوسع وأدلّ على الغاية التي من أجلها تتمّ التضحية بالمال والنفس.

أخبرَنا الله تعالى أنّ الشيطان قد أعلن الحرب عليه وعلى الإنسان منذ اليوم الأول. وبناءً على ذلك خلق الله سيدنا آدم وأنزله إلى الدنيا لتكون ذريّته في أتم الاستعداد لمحاربة عدوّها الرئيسي إلى يوم القيامة في شكل اختبار خُلِق العالم بناءً عليه، ويعتمِد عليه مستقبل البشرية نجاحاً أو فشلاً، ويتطلب بذلَ المال والنفس لتحقيق النجاح.

يترك عباد الله انغماسَهم في عَرَض الدنيا، ويهجرون ملذّاتِهم وممتلكاتِهم امتثالاً لأمر الله، ثم يتقدّمون إلى ساحة المعركة مردّدين: لبّيك اللهمّ لبّيك، ويضربون خيامهم في وادٍ كالمحاربين.

يصلون في اليوم التالي إلى حقل مفتوح طلباً لمغفرة الله وهم يصلّون ويتضرّعون إليه، ليمنحهم النصر في هذه المعركة، مُصغين بكلّ جوارحهم إلى خطبة الإمام.

ووفقاً لهذا التمثيل الرمزي (الحجّ هو حرب مع الشيطان) فإنّهم يؤدّون صلواتهم قَصْراً وجمعاً، ثم يعودون إلى خيامهم، بعد قضاء مدة قصيرة في الطريق، ثم يرجمون الشيطان بعد ذلك بالحجارة، ويضحّون بأنفسهم لله تضحيةً رمزية عن طريق التضحية بالحيوان بدلاً من الإنسان، ثم يحلقون رؤوسهم ويتوجهون إلى مكان القرينة الحقيقي بعد أداء طواف النَّذر، ثم يعودون إلى خيامهم. وبعد يومين أو ثلاثة أيام يرجمون الشيطان مرةً ثانية. وهكذا، ومن زاوية هذه الرؤية، فإنّ الإحرام في الحج والعُمرة هو رمز لتخلي المؤمن عن ملذّاته ومفاتن الدنيا ومشاغلها مرتدياً قطعتي ثياب منفصلتين غير مخيطتين كراهب حاسر الرأس، شِبه حافي القدمين، ممتلئاً عزماً وتصميماً على الوصول إلى حضرة الله.

والتلبية هي الاستجابة لنداء سيدنا إبراهيم الذي أطلقه وهو واقف على صخرة بعد إعادة بناء الكعبة، والذي وصل صداه إلى كلّ ركن من هذا العالم، فيستجيب له عباد الله مردّدين: (لبيك اللهم لبيك) معترفين بفضل الله، مؤكدين إيمانهم بالتوحيد.

وطواف النذر هو تقليد قديم موروث عن الحنيفية الإبراهيمية، إذ يقوم الحُجّاج بتمشية الحيوانات التي سيُضحّى بها ذهاباً وإياباً أمام المذبح.

ويرمز استلام الحجر الأسود إلى تجديد العهد مع الله، فيقوم الحاجّ بوضع يده على الحجر الذي يرمز إلى يد الله، ويقبّله لإعادة تجديد العهد مع الله حسب التقاليد القديمة، إذ يُسَلِّم الحُجّاج – وفقاً له – حياتهم وأموالهم إلى الله مقابل الفوز بالجنة.

السعي هو الطواف حول المكان الذي قُدِّم فيه سيدنا إسماعيل كأضحيّة. وقد رأى سيدنا إبراهيم ذلك المكان وهو واقف على تلة الصّفا (جبل الصَّفا)، حتى إذا سمع نداء ربه مشى بسرعة إلى جبل المروة، وهكذا فإنّ طواف الصفا والمروة هو طواف النَّذر الذي تمت تأديته أمام الكعبة أول مرة، ثم أمام المذبح بعد ذلك.

وعرفات هو بديل الكعبة حيث يحتشد المحاربون ضدّ الشيطان، ويطلبون إلى الله أن يغفر ذنوبهم، ويصلّون إليه طالبين العون والمَدَد.

ومزدلفة هي المكان الذي يتوقف فيه المحاربون لقضاء الليل، حيث يصلّون مرة أخرى، ويتضرّعون إلى الله عندما ينهضون صباحاً لينطلقوا إلى أرض المعركة.

يرمز رمي الجمار إلى لعن إبليس ومحاربته، وينتهي هذا الطقس بإصرار المؤمن على هزيمة العدو، ولا شيء أقلّ من ذلك.

من المعروف أنّ العدوّ الأبدي للإنسان (إبليس) مصرّ على الوسوسة في عقول الناس. ومع ذلك، إذا قاوم العبد ما يفعله إبليس، فإنّ هجومه سيَضعف شيئاً فشيئاً، ويُعتبَر رمي الجمرات لمدة ثلاثة أيام (الجمرات الكبرى والوسطى والصغرى) رمزاً لتلك المقاومة واستمرارها.

ترمز التضحية بالحيوان إلى التضحية بالبشر، وتعني أنّ المؤمن مستعدٌّ لتقديم حياته في سبيل الله. ويرمز حلق الرأس إلى أنّ الذبيحة قد قُدِّمت، وأنّ عملية التضحية تمّت. ويُمكِن لمن أدّى فريضة الحجّ أن يعود الآن إلى دياره وهو يحمل على جسده ورأسه الحليق رمز العبودية الأبدية لله.

توضّح التفاصيل السابقة عظَمة الحجّ الذي فرضه الله على كلِّ مسلم قادر على تحمّل نفقاته مرة واحدة في الحياة.

1- الغاية من الحَجّ والعُمْرَة.

4-1- الغاية من الحَجّ والعُمْرَة

إنّ الهدف منهما هو جوهرهما وواقعهما نفسه، أي إنّ الإقرار بنعم الله والتوكيد على توحيده، وتكريس النفس له بعد اعتناق الإسلام هي غاية العبادة. ويُطلَق على فهم هذه الجوانب ومعرفتها منافع منازل الحج. وتتجلّى هذه الغاية في الكلمات والتعابير التي خُصِّصَت لهذه الشعيرة، وهي مغروسة في العقول على نحو يجعل الحاج ينطق بها تلقائياً بعد ارتداء ملابس الإحرام: (لبيك اللهم، لبيك، لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك).

2- أيام الحَجّ والعُمْرَة وأوقاتهما.

4-2- أيام الحَجّ والعُمْرَة وأوقاتهما

لم يتم تحديد وقت للعُمرة. ويمكن للناس أداؤها متى شاؤوا على مدار العام. أمّا أيام الحجّ، فهي ثابتة مقررة، وتمّ تحديدها من الثامن من ذي الحِجّة إلى الثالثَ عشرَ منه، ولا يمكن القيام به إلّا في تلك الأيام.

3- شعائر أداء الحَجّ والعُمْرَة:

4-3- شعائر أداء الحَجّ والعُمْرَة

حدّدت الشريعة طريقة القيام بالحجّ والعمرة على النحو التالي:

أ-العُمْرَة

أ- العُمرَة

يجب ارتداء ملابس الإحرام مع عقد النية على الاعتماد، ويرتدي القادمون من خارج مكّة ملابس الإحرام من (ميقاتهم) الخاصّ بهم. أمّا السكان المحليون سواء كانوا مكيّين أم أصحاب إقامة مؤقتة، فعليهم أن يُحرِموا من مكان قريب خارج حدود الحرم.

أمّا الذين يعيشون خارج حدود الحرم، فميقاتهم هو مكان إقامتهم حيث يمكنهم ارتداء ملابس الإحرام في منازلهم، والبدء بالتلبية والاستمرار فيها حتى وصولهم بيتَ الله، ثم يطوفون حوله، ثم يسعَون بين الصفا والمروة. وإذا اصطحب المعتمِر حيوانات الهدي، وجب التضحية بها. وعلى الرجال بعد التضحية حلق رؤوسهم، وعلى النساء قصّ شيء من أطراف الشَّعر، ثم نزع ملابس الإحرام.

والإحرام هو مصطلح ديني يعني أنّ المعتمِرين لن يخوضوا في أيّ أحاديث شهوانية أو بذيئة، ولن يتزيّنوا أو يتعطّروا أو يقصوا أظافرهم أو يحلقوا شعر أجسادهم، ولن ينظفوا أوساخ أبدانهم، ولن يقتلوا حتى القمل في رؤوسهم أو أجسادهم، ولن يصطادوا، ولن يرتدوا ملابس مخيطة. وسوف يكشفون رؤوسهم ووجوههم والجزء العلوي من أقدامهم، ويرتدون قطعتي ملابس منفصلتين لستر ما تبقى من أجسادهم.

أمّا المرأة فيمكنها ارتداء ثياب مخيطة، وعليها أن تستر رأسها وقدميها، ولا تكشف إلّا يديها ووجهها.

تمّ تحديد أماكن معيّنة على مسافة من الحرَم قبل أن تبدأ حدود الإحرام، وسُمِّيَت هذه الأماكن في المصطلح الديني (الميقات)، وهي مواضع لا يمكن لمن يريدون تقديم الحج والعمرة عبورها إلّا في حالة الإحرام. وهي خمسة: ذو الحليفة، وهو ميقات أهل المدينة، يَلَمْلُم ميقات أهل اليمن، وجُحفَة ميقات حجّاج سورية ومصر، وقرن المنازل ميقات أهل نجد، وذات عِرق ميقات حجّاج الشرق.

وتتضمن التلبية الترديد المستمر لما يلي:

(لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك).

وتبدأ مباشرة بعد الإحرام، وتستمر حتى وصول الحُجّاج إلى بيت الله، وهو الذِكر الوحيد الذي أوصى به الله للحج والعمرة.

يشير الطواف إلى الجولات أو الدورات السبع حول بيت الله مع إيفاء شروط الطهارة الدينية كاملة، وتبدأ كلّ جولة من الحجر الأسود وتنتهي به، ويتمّ استلامه في بداية كلّ جولة؛ والاستلام هو تقبيل الحجر الأسود أو لمسه باليدين ثم تقبيلهما. وإذا كان المكان مزدحماً وتعذّر الوصول إليه، يرفع الحاج يديه في اتجاه الحجر الأسود، أو يشير إليه بعصا أو ما شابه ذلك.

يشير السّعي إلى الطَّواف بين الصفا والمروة، ويتألف من سبع جولات تبدأ بالصّفا، وكلّ جولة كاملة تمتد من الصفا إلى المروة. ولا بدّ أن تنتهي الجولة الأخيرة بالمروة.

والسعي بين الصفا والمروة أمر اختياري على غرار الأضحِيّة، وليس شرطاً أساسياً في شعائر العُمرة التي يمكن أن تتم من دونه.

ويعني (الهدي) الحيوانات التي تُقدَّم للتضحية بها في الحرم، ويجب أن تُميَّز بعلامة على جسدها، أو قلادة حول عنقها.

ب-الحجّ

ب- الحج:

الإحرام هو أول ما يبدأ به الحاجّ مناسك هذه العبادة مع عقد النيّة على أداء الحجّ.

يجب على القادمين من خارج مكة ارتداء ملابس الإحرام من ميقاتهم. أمّا السكان المحليّون (المكيّون وأصحاب الإقامة المؤقتة)، أو مَن يعيشون خارج حدود الحرم، فعليهم ارتداء ملابس الإحرام من أماكن إقامتهم، ويمكنهم بعد الإحرام البدء بالتلبية مباشرة.

يذهب الحُجّاج إلى (مِنى) في الثامن من ذي الحجة، ويقيمون هناك، ثم إلى عرفات في اليوم التالي (التاسع من ذي الحجة) حيث يلقي الإمام خطبة قبل صلاة الظهر، ويُصلّي الظهر والعصر جمعاً وقصراً، وبعد الصلاة يُعظّم الحجاج الله تسبيحاً وتحميداً معبّرين عن امتنانهم له، مقرّين بمجده ووحدانيته، داعين ومتضرِّعين له ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.

ينطلق الحُجّاج إلى مزدلفة بعد غروب الشمس، فيؤدون صلاتَي المغرب والعشاء جمعاً وقصراً، ويقضون الليل في ساحة مزدلفة، ثم يقومون بتعظيم الله والاعتراف بفضله وعظمته ووحدانيته كما فعلوا في عرفات، ثم يغادرون إلى (مِنى)، وحالما يصلون إلى جمرة العقبة يتوقفون عن التلبية، ويرجمون هذه الجمرة بسبع جمار (حجارة).

إذا اصطحب الحاج هدْياً أو كان ملزماً بنذر أو كفارة وجب عليه تقديم التضحية. ويحلق الرجال بعد ذلك رؤوسهم، وعلى النساء قصّ شيء من شعورهن، ثمَّ ينزعن ملابس الإحرام.

ينطلق الحجاج بعد ذلك إلى بيت الله، ويطوفون حوله إيذاناً برفع القيود التي فرضها الإحرام. وإذا أراد الحاجّ بعد ذلك السعي بين الصَّفا والمَروة، فله أن يفعل ذلك لأنه اختياري.

يعود الحُجّاج بعد ذلك إلى (مِنى)، فيبقون هناك يومين أو ثلاثة أيام، ويرجمون الجمرة الكبرى ثم الوسطى ثم الصغرى بسبع جمرات لكلّ واحدةٍ منها يوميّاً.

هذه هي مناسك الحج والعمرة منذ سيدنا إبراهيم، ولم يغيّر القرآن شيئاً منها، بل قام بتفسير بعض أحكامها التي كانت تفتقد إلى توجيهات مسبقة واضحة.

وأول هذه الأحكام أنّ إظهار الاحترام لكلّ ما أعلن الله قدسيته بخصوص الحجّ والعمرة هو شرط من شروط الإيمان. ويجب اتباع ذلك والتعبير عنه مهما كلّف الأمر، وإذا قامت جماعة بانتهاك هذه القدسية، فللمسلمين حق الرّد بالمثل، والسبب هو أن احترام المقدّسات أمر متبادل، ولا يمكن لأحد طرفي المعاهدة الالتزام به منفرداً.

والحكم الثاني أنه على الرغم من مشروعية الحرب والجهاد، فلا ينبغي للمسلمين أن يبادروا إليها، أو ينتهكوا قدسية وحرمة ما نصَّ عليه الله مهما كانت الظروف.

والحكم الثالث هو تحريم صيد الحيوانات البرية على الحُجّاج خلال الإحرام، بينما يحقُّ صيد الحيوانات البحرية وأكلها إذا صادها آخرون؛ ومع ذلك، لا يعني هذا الإذن الاستفادة منها بشكل جائر. وصيد الحيوانات البرية أثناء الإحرام محرّم في كل الظروف، وإذا ارتكب أحد هذا الإثم فعليه كفّارته، وثمة ثلاثة طرق للكفّارة:

  1. إحضار حيوان أليف مشابه للحيوان المصطاد إلى بيت الله للتضحية به.
  2. وإذا كان ذلك غير ممكن، فلا بدّ من تقدير ثمن هذا الحيوان وإنفاقه على إطعام الفقراء.
  3. وإذا تعذّر ذلك أيضاً، فلا بدّ من الصيام أياماً تساوي عدد الفقراء الذين يجب إطعامهم.

وفيما يتعلق بالحيوان الذي يجب التضحية به، أو تقدير ثمنه إن تعذّر الأول، أو عدد الفقراء الذين يجب إطعامهم، أو عدد الأيام التي يجب صيامها، فهذا يقرّره مسلمان مؤتمَنان كي لا يكون هناك أي احتمال للخطأ أو الانحياز إلى من وقعت عليه هذه الكفّارة.

والحكم الرابع، إذا عجز الحجاج عن الوصول إلى البيت الحرام، وضُرب عليهم الحصار في موضع ما، فيمكنهم إرسال جمل أو بقرة أو شاة للتضحية. وإذا كان ذلك غير ممكن ذبحوها في المكان الذي حُوصروا فيه. ويمكنهم نزع ملابس الإحرام (التحلّل) بعد حلق رؤوسهم، ويكملون بهذا حجّهم أو عُمرَتهم.

لا بدّ من الإشارة بوضوح إلى أنّ حلق الرأس غير مسموح قبل ذبح الأضحية، سواء في مكة أم مِنى أو مكان الحصار إلّا إذا كان المرء مريضا،ً أو يعاني مرضاً في رأسه، فعليه أن يحلقه قبل ذبح الأضحية.

سمح القرآن للحجاج القيام بذلك في ظروفٍ كهذه، ولكن عليهم دفع كفّارته عن طريق الصيام أو الإنفاق في سبيل الله أو ذبح الأضاحي، وتُحدَّد كميتها وعددها وفق تقديرهم.

الحكم الخامس، إذا أراد القادمون من خارج مكة أن يجمعوا الحجّ والعُمرَة في رحلة واحدة، فبإمكانهم ذلك عن طريق نزع ملابس الإحرام بعد أداء العُمرَة وارتدائها ثانية في الثامن من ذي الحجة لأداء مناسك الحجّ، وقد منح الله هذا الحق للحجاج كي لا يكلفوا أنفسهم عناء القيام برحلتين، ولذلك عليهم دفع كفّارة للاستفادة من هذا الحقّ، وثمة طريقتان للقيام بذلك:

يجب التضحية بأيّ حيوان متوفر من الإبل أو البقر أو الشياه، أو الصوم لعشرة أيام إن كان ذلك غير ممكنٍ: ثلاثة أيام أثناء الحجّ وسبعة عند الإياب إلى منازلهم.

يوضح الشرح السابق أن ما يسرُّ الله هو القيام برحلتين منفصلتين لكلٍّ من الحج والعُمرَة، وكان القرآن قد أوضح أنّ هذا الحقّ ليس ممنوحاً للذين يسكنون قرب المسجد الحرام.

الحكم السادس، يمكن للحجّاج أن يعودوا من (مِنى) في الثاني عشر من ذي الحِجّة، ويمكنهم البقاء يوماً إضافياً، وليس عليهم في ذلك إثم كما يؤكد القرآن، لأن الأهمية الحقيقية لا تكمن في عدد الأيام، إنما في الوقت الذي يقضونه في ذكر الله.

الأضحِيَّة (تقديم الأضاحي):

5- الأُضحِيَّة

لقد كانت التضحية – ومن أسمائها القربان – وسيلة عظيمة للتقرّب من الله في كلّ أديان العالم القديمة، وهي تشبه الزّكاة في جوهرها، إلّا أنه يجب ألّا يُنظَر إليها بوصفها تضحية بالمال، بل تضحية بالنفس التي تُفتدى بالحيوان بدلاً منها.

1- تاريخ التضحية

5-1- تاريخ التضحية

بدأ تاريخ التضحية (القربنة) منذ سيدنا آدم (عليه السلام) حسب ما جاء في القرآن عندما قدّم ابناه (قابيل وهابيل) قربانهما إلى الله، فَقُبِل من أحدهما ورُفِض من الآخر. وقد ذكر الكتاب المقدّس في موضع منه، بكلّ وضوح، أنّ هابيل كان قد ضحّى ببعض أبكار أغنامه ونعاجه في تلك المناسبة.

وقد استمر ذلك لاحقاً، ونجد الدلائل التي تثبت هذه الحقيقة في كل الأديان وازدادت أهمية التضحية وعظمتها وعالميتها بعد تضحية سيّدنا إبراهيم (عليه السلام) الذي جاءه الأمر الإلهي بالتضحية بحيوان بدلاً من ابنه الذي كان قد همّ بذبحه، قال تعالى: ﴿وفَدَيناه بذِبح عظيم﴾. (الصافّات: 107)

ويعني هذا أنّ تضحية إبراهيم قد قُبِلَت، وبذلك يتذكر النّاس هذا الحدث من خلال أضحياتهم جيلاً بعد جيل، وقد أضحت عبادة اختيارية (نافلة) يؤدّيها المؤمنون بحماسة وحرارة في كلٍّ من الحجّ والعُمرَة وعيد الأضحى وفي مناسبات أخرى.

2- الغاية من التضحية

5-2- الغاية من التضحية

إنّ الغاية من التضحية هو التعبير عن الامتنان لله تعالى، إذ عندما نضحي بحياتنا إلى الله بشكل رمزي عن طريق ذبح الحيوان، فكأننا نشكر الله على هدى الإسلام الذي عبّر عنه سيدنا إبراهيم بتضحيته بابنه الوحيد، وما ترداد كلمات التكبير والتهليل في تلك المناسبة إلّا تعبير قولي عن الامتنان لله بعد التعبير العملي: التضحية، وبناءً على ما ورد، فإنّ التضحية هي ذروة العبادة، إذ عندما نجعل الحيوان ينتصب على أقدامه ويخفِضُ رأسه باتجاه بيت الله، ونتّجه الوجهة ذاتها عند ذبحه مردِّدين (باسم الله والله أكبر)، فإننا بذلك نضحي بأنفسنا لله.

3- تقديم الأضاحي: أحكام وشروط.

5-3- تقديم الأضاحي

تنصّ شريعة التضحية على ما يلي:

– يمكن التضحية بكل حيوان ذي أربعة أرجل من بهيمة الأنعام.

– يجب أن يكون الحيوان المراد التضحية به خالياً من العيوب وفي حداثة السّن.

– يبدأ وقت التضحية بعد صلاة العيد في العاشر من ذي الحِجّة (يوم النحر).

– الأيام المُحدّدة للتضحية هي الأيام ذاتها التي يبقى فيها الحُجّاج في (مِنى) حالما يعودون من مزدلفة، وتسمّى في الاصطلاح الديني (أيام التشريق).

وتنصّ السُّنَّة النبوية بالإضافة إلى التضحية في هذه الأيام على وجوب القيام بالتكبيرات بعد كلِّ صلاة جماعة دون الالتزام بصيغ لغوية محدّدة لكونها مطلقة من أي شرط.

– يمكن لأولئك الذين ذبحوا الأضاحي أن يأكلوا منها، وأن يُطعِموا الآخرين منها أيضاً.