مواد پر جائیں

باب 116: الحج والعمرة

الحج والعمرة

وَاَذِّنْ فِی النَّاسِ بِالْحَجِّ،  یَاْتُوْکَ رِجَالًا وَّعَلٰی کُلِّ ضَامِرٍ یَّاْتِیْنَ مِنْ کُلِّ فَجٍّ عَمِیْقٍ لِّیَشْھَدُوْا مَنَافِعَ لَھُمْ وَیَذْکُرُوا اسْمَ اللّٰہِ فِیْٓ اَیَّامٍ مَّعْلُوْمٰتٍ عَلٰی مَا رَزَقَھُمْ مِّنْم بَھِیْمَۃِ الْاَنْعَامِ. فَکُلُوْا مِنْھَا وَاَطْعِمُوا الْبَآءِسَ الْفَقِیْرَ،  ثُمَّ لْیَقْضُوْا تَفَثَھُمْ وَلْیُوْفُوْا نُذُوْرَھُمْ وَلْیَطَّوَّفُوْا بِالْبَیْتِ الْعَتِیْقِ.(الحج ۲۲: ۲۷۔۲۹)

هذا هو الصوت الذي ارتفع منذ قرون مضت،  وإجابةً له نقول ” لبيك لبيك” ونحن في أم القرى نحج إلى المسجد الذي بناه سيدنا إبراهيم (عليه السلام) في مكة،  والذي يسمى بيت الله. وهذا هو نفس البيت العتيق،  على حد تعبير الإمام الفراهي،  كان أول بيت من بيوت الله في وادي بطحاء،  والذي قد قضي في حقه منذ الأزل أن يتخلص من الذين انحرفوا عن التوحيد. لذلك،  عندما اعتنق سكانها عبادة الأوثان وتفرقوا من جواره أخذوا معهم أيضًا حجارة هذا المعبد بغرض العبادة. ولما وصل سيدنا إبراهيم (عليه السلام) إلى هنا بعد هجرته من بابل بحثاً عنه،  لم يبق إلا حجر ناصع من بنائه القديم.

وبعد تضحية إسماعيل أمرهما الله بإعادة بناء هذا المعبد. فبدأ الأب والابن معًا بحفر الأرض تحت هذا الحجر التذكاري. وخرجت الأساسات القديمة بعد فترة من الزمن،  فرفعوها وقاموا بتثبيت هذا الحجر في زاوية المبنى. وبما أن إسماعيل كان قد نذر لهذا البيت،  فعين خادماً له،  وبأمر الله أذن للناس بالحج أن يأتوا هنا وليوفوا بنذرورهم ويجددوا عهد الإيمان بالتوحيد الذي عليهم تحديثاً للنعمة.

وفي الاصطلاح تسمى هذه العملية “الحج والعمرة”. وهاتان العبادتان هما غاية كمال العبادة في الدين الإبراهيمي. وهذا هو آخر مستوى للعبادة لله سبحانه،  وهو أن يأتي العبد عند دعوته ليقدم نفسه وماله في حضرته. والحج والعمرة تمثيل لهذه الحقيقة. وكلاهما يمثل نفس الواقع. والفرق الوحيد هو أن العمرة إجمال والحج يفصله  بمعنى أن الغرض الذي من أجله يُطلب التضحية بالأرواح والمال،  يبرز فيه بكامل درجته.

لقد أخبر الله تعالى أنه منذ خلق آدم فأن إبليس قد أعلن الحرب على مخططه سبحانه الذي كان قائمًا في العالم منذ اليوم الأول: ’

قَالَ: فَبِمَآ اَغْوَیْتَنِي لَاَقْعُدَنَّ لَہُمْ صِرَاطَکَ الْمُسْتَقِیْمَ ثُمَّ لَاٰتِیَنَّہُمْ مِّنْ بَیْنِ اَیْدِیْہِمْ وَمِنْ خَلْفِہِمْ،  وَعَنْ اَیْمَانِہِمْ وَعَنْ شَمَآئِلِہِمْ،  وَلَا تَجِدُ اَکْثَرَهُمْ شٰکِرِیْنَ.(الأعراف: 16-17)

 ويذكر القرآن أن تحدي إبليس قد تم قبوله،  وعباد الله تعالى الآن يقاتلون عدوهم الأبدي وذريته إلى يوم القيامة.  .(الأعراف: 13-14) هذا هو اختبار هذا العالم الذي يعتمد فيه مستقبلنا الأبدي على النجاح والفشل. فنحن نقدم حياتنا وثرواتنا لله من أجل هذه الحرب. وقد أثار الأنبياء الهتاف بـ یٰٓاَیُّہَا الَّذِیْنَ اٰمَنُوْا،  کُوْنُوْٓا اَنصَارَ اللّٰہِ” (الصف :14) مراراً وتكراراً في التاريخ

لهذا المقصد. وقد جاءت هذه الحرب ضد إبليس ممثلةً في الحج: وهو كما يلي:                                                      

 إن عباد الله بدعوة ربهم،  ينصرفون عن أموال الدنيا وملذاتها وشواغلها.                                                            

ثم يصلون إلى أرض المعركة وهم يقولون “لبيك لبيك” ويعسكرون في واد مثل المجاهدين تماماً.                                          

وفي اليوم التالي،  بالغين إلى ميدان مفتوح،  يطلبون المغفرة لذنوبهم،  ويدعون من أجل النجاح في هذه الحرب ويستمعون إلى خطبة إمامهم.                                                        

وبحسب مقتضيات التمثيل،  فإنهم يصلون الصلوات بطريقة القصر والجمع ويصلون إلى خيامهم مرة أخرى بينما يتوقفون لفترة قصيرة في الطريق.                                                      

ثم برمي شيطان بالحجارة وبذبح حيواناتهم وبنذر نفوسهم للرب تعالى يحلقون رؤوسهم ويحضرون المعبد الأصلي والمذبح لأشواط النذر والطواف.                                                      

ثم يعودون من هناك ويستمرون خلال اليومين أو الثلاثة في الأيام التالية في رمي الشيطان بالحجارة.                                

وبهذا المعنى فإن الإحرام بالحج والعمرة علامة على أن المؤمن قد تخلى عن ملذات الدنيا وشواغلها وملذاتها،  وبتغطية جسده بثوبين غير مخيطين،  يصبح حاسر الرأس وإلى حد ما حافي القدمين كالراهب. وخرج من البيت ليصل إلى حضرة ربه.                

وأما التلبية فهي جواب لنداء نادى به سيدنا إبراهيم (عليه السلام) بالوقوف على حجر بأمر الله عند ما كان يرفع بناء البيت الحرام. (قاله ابن كثير،  تفسير القرآن العظيم لابن كثير3/216  ) والآن قد بلغ هذا النداء إلى كل أقطار العالم،  ويأتون عباد الله استجابةً لهذا النشيد المفرح ملبين بـ لبيك اللهم لبيك اعترافًا بنعمته،  واعترافًا بتوحيده.                                                            

والطواف هو أشواط للنذر. وفي الديانة الإبراهيمية،  كان هذا التقليد مستمرًّا منذ القدم،  وهو أن الشخص الذي سيتم التضحية به أو تقديمه لخدمة المعبد،  يجب أن يُحمل أمام المعبد أو المذبح ويطاف به. ولذلك قد ترجم مفسرو التوراة هذا في أمكنة كثيرة بتعبيرات مختلفة مثل “أضحية التردد للرب والطواف بها أمام الرب” كما جاء على سبيل المثال في كتاب العدد:                                    

.  “وَتُقَدِّمُ اللاَّوِيِّينَ أَمَامَ الرَّبِّ،  فَيَضَعُ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَيْدِيَهُمْ عَلَى اللاَّوِيِّينَ

. وَيُرَدِّدُ هَارُونُ اللاَّوِيِّينَ تَرْدِيدًا أَمَامَ الرَّبِّ مِنْ عِنْدِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَيَكُونُونَ لِيَخْدِمُوا خِدْمَةَ الرَّبِّ

 ثُمَّ يَضَعُ اللاَّوِيُّونَ أَيْدِيَهُمْ عَلَى رَأْسَيِ الثَّوْرَيْنِ،  فَتُقَرِّبُ الْوَاحِدَ ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ،  وَالآخَرَ مُحْرَقَةً لِلرَّبِّ،  لِلتَّكْفِيرِ عَنِ اللاَّوِيِّينَ.

. فَتُوقِفُ اللاَّوِيِّينَ أَمَامَ هَارُونَ وَبَنِيهِ وَتُرَدِّدُهُمْ تَرْدِيدًا لِلرَّبِّ

. وَتُفْرِزُ اللاَّوِيِّينَ مِنْ بَيْنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَيَكُونُ اللاَّوِيُّونَ لِي

 وَبَعْدَ ذلِكَ يَأْتِي اللاَّوِيُّونَ لِيَخْدِمُوا خَيْمَةَ الاجْتِمَاعِ فَتُطَهِّرُهُمْ وَتُرَدِّدُهُمْ تَرْدِيدًا،

 لأَنَّهُمْ مَوْهُوبُونَ لِي هِبَةً مِنْ بَيْنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. بَدَلَ كُلِّ فَاتِحِ رَحِمٍ،  بِكْرِ كُلّ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدِ اتَّخَذْتُهُمْ لِي. ( سفر العدد، 10:8-16 )

واستلام الحجرالأسود أيضًا علامة لتجديد العهد،  ففيه يضع العبد الحاج يده في يد الحجر الأسود الذي يمثل يد الله تعالى، ويستلم الحجر فكأنه يجدد التقليد القديم للوفاء بالعهد فيتعهد هكذا أنه قد سلم لله سبحانه نفسه وماله وكله بأن له الجنة. والسعي في الحقيقة طواف لمكان ذبح إسماعيل عليه السلام، فأن إبراهيم عليه السلام كان قد قام على جبل الصفا ولأنه رأى من هناك مقام الذبح ثم أسرع إلى المروة لكي يمتثل بأمر الله وجاء ذلك في الكتاب المقدس في العبارة الآتية:                                                                

  “وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ رَفَعَ إِبْرَاهِيمُ عَيْنَيْهِ وَأَبْصَرَ الْمَوْضِعَ مِنْ بَعِيدٍ،

 فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِغُلاَمَيْهِ: «اجْلِسَا أَنْتُمَا ههُنَا مَعَ الْحِمَارِ،  وَأَمَّا أَنَا وَالْغُلاَمُ فَنَذْهَبُ إِلَى هُنَاكَ وَنَسْجُدُ،  ثُمَّ نَرْجعُ إِلَيْكُمَا.

      ( سفرالتكوين ، 4:22-5  )

وهكذا فأن طواف الصفا والمروة أيضًا أشواط للنذر والتي تتم أولاً أمام البيت ثم في مكان الذبح وتفيد التوراة أن هذه الأشواط كانت تكون قبل التضحية ثم تقام بعد التضحية أيضًا بأخذ جزء من الأضحية في اليد كما جاء في كتاب الخروج:

 « “ثُمَّ تَأْخُذُ الْقَصَّ مِنْ كَبْشِ الْمِلْءِ الَّذِي لِهَارُونَ،  وَتُرَدِّدُهُ تَرْدِيدًا أَمَامَ الرَّبِّ،  فَيَكُونُ لَكَ نَصِيبًا

لَّ أَيَّامِ نَذْرِهِ لاَ يَأْكُلْ مِنْ كُلِّ مَا يُعْمَلُ مِنْ جَفْنَةِ الْخَمْرِ مِنَ الْعَجَمِ حَتَّى الْقِشْرِ.

            ( سفرالخروج:29 26 )

والعرفات  تقوم مقام البيت حيث يجتمع المجاهدون في حرب ضد الشيطان يستغفرون لذنوبهم ويدعون ويناجون أن يكلل الرب تعالى حربهم هذه بالنجاح. والمزدلفة مقر في الطريق حيث يبيتون الليلة ويهبون صباحاً ويدعون ويناجون الرب تعالى مرة أخرى قبل الذهاب إلى الميدان.

ورمي الجمرات هو مؤشر على اللعنة على إبليس وعلى الحرب ضده ويقوم العبد المؤمن بهذه العملية بأنه لا يقبل إلا أن يتقهقر الإبليس اللعين من ميدان النضال. فأن هذا العدو إذا وسوس فلا يسكت بل يواصل وسوسته ولكن إذا قوبل بالمقاومة والمناهضة ضعفت حملاته تدريجيًّا والرمي للثلاثة أيام بدءًا من الشيطان الأكبر ثم الشيطان الأصغر ينبئ عن هذا الأمر. والتضحية فداء للنفس وحلق الرأس مؤشرعلى أنه قد تم تقديم النذر والآن للعبد أن يرجع إلى بيته مع هذه العلامة لطاعة الرب تعالى والعبودية الدائمة له، وحلق الرأس أيضًا تقليد قديم متبع في الديانة الإبراهيمية فقد جاء في التوراة هذا التشريع أن من ينذر لله تعالى لا يحلق رأسه ما لم تتم أيام النذر وقد جاء في كتاب العدد:                            

“كُلَّ أَيَّامِ نَذْرِ افْتِرَازِهِ لاَ يَمُرُّ مُوسَى عَلَى رَأْسِهِ. إِلَى كَمَالِ الأَيَّامِ الَّتِي انْتَذَرَ فِيهَا لِلرَّبِّ يَكُونُ مُقَدَّسًا،  وَيُرَبِّي خُصَلَ شَعْرِ رَأْسِه.

.( سفر العدد ، 6:  5  ) كُلَّ أَيَّامِ انْتِذَارِهِ لِلرَّبِّ لاَ يَأْتِي إِلَى جَسَدِ مَيْتٍ

«وَهذِهِ شَرِيعَةُ النَّذِيرِ: يَوْمَ تَكْمُلُ أَيَّامُ انْتِذَارِهِ يُؤْتَى بِهِ إِلَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ،

  وَيَحْلِقُ النَّذِيرُ لَدَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ رَأْسَ انْتِذَارِهِ،  وَيَأْخُذُ شَعْرَ رَأْسِ انْتِذَارِهِ وَيَجْعَلُهُ عَلَى النَّارِ الَّتِي تَحْتَ ذَبِيحَةِ السَّلاَمَةِ.

        ( سفر العدد ، 6:  13-18  )

 ويمكن أن نستنتج من ذلك أن الحج والعمرة عبادة غير عادية، وقد فرضت مرة واحدة على الأقل في حياة كل مسلم قادر. حتى أن النبي  صلى الله عليه وسلم ذات مرة فضل الحج بعد الإيمان والجهاد. كما جاء في البخاري رقم 26 ومسلم رقم 248) وقال أيضًا: من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه”(رواه البخاري رقم 1819 ومسلم رقم 3291) وكذلك قال: العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما (من الذنوب)، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة. (رواه  البخاري رقم 1650 ومسلم رقم 2403)

والمراد بالذنوب هنا تلك التي لا تمت بصلة إلى حقوق العباد أو التي ليس لها توبة ولا قضاء ولا كفارة.