رابعاً- المعاملات الاقتصادية (التشريع المالي)
أوحى الله تعالى بالشريعة الاقتصادية عن طريق خاتم الأنبياء مُحَمَّد (ص) بهدف تطهير الاقتصاد وتنقيته من عيوبه والوصول به إلى الشكل المثالي المنشود، ولِذلك، بُنيت تلك الشريعة على رؤية القرآن الفكرية والتأمليّة للخَلْق التي تنصُّ على أنّ الله خلق العالم كمحكمة واختبار وابتلاء للإنسان، فالجميع قد خُلقوا وهم عاجزون عن إشباع حاجتهم الأساسية مستقلين عن الآخرين، ولذلك نشأ مبدأ التكافل الذي يعني تبادل المنافع وتحديد الأدوار، وتقسيم العمل مراعاة لاختلاف الناس في قدراتهم العقلية وميولهم ومهاراتهم اليدوية، ولاختلاف الوسائل والموارد الطبيعية والبشرية. فالمجتمع متنوع مؤلّف من شرائح وطبقات وفئات تتكامل وتتكافل لتحقيق العيش المشترك؛ وثمّة حكماء ينيرون العالم بعلمهم، وكُتّاب قدموا للناس أعمالاً خالدة، وباحثون تفتّقت عبقريتهم عن أبحاث فريدة، وقادة يحلّون بحسن تدبيرهم وفطنتهم مشاكل المجتمع، ومصلحون أناروا بجهودهم العقول، وحكام يغيِّرون بعزمهم مجرى التاريخ، هذا على مستوى النُخبة. أما على المستوى الشعبي، فثمّة عمّال وفلاحون وحرفيون حوّلوا مصانعهم وحقولهم وورشاتهم إلى موارد خير تفيض بالغلال، وهناك أيضاً طهاة أمتعوا أذواقنا بأشهى المأكولات، وحرفيون ارتفعت بفضلهم ناطحات السحاب المذهلة، وعمال نظافة يتنفس المجتمع بفضلهم في جو صحي…
وهكذا يختبر الله جميع فئات المجتمع ليرى إن كانوا يشكّلون مجتمعاً سليماً ونبيلاً، أو كانوا يسبّبون الفوضى والأذى بحماقاتهم، ولذلك، يُذِلّ هؤلاء المفسدين في الدنيا، ويجعلهم مستحقين للعذاب في الآخرة.
ولإنقاذ الإنسان في هذه المحنة وتلك الشرور، أرشده الله تعالى من خلال أنبيائه، وأنزل هذه الشريعة الاقتصادية لتنقيته وتطهيره. وفيما يلي تلخيص لهذه الشريعة:
حماية الملكية الخاصة.
- حماية الملكيّة الخاصة (تحريم اغتصاب المال)
يقع هذا الأمر هنا تحت ما يُطلَق عليه بلغة الفقه أكل الأموال بالباطل، إذ يُحرَّم سلبُ أموال الآخرين وممتلكاتهم باللجوء إلى وسائل غير مشروعة. ويُعَدُّ القمار والربا والأسهم من أشكال هذا السّلب، وتكون الممارسات الاقتصادية الأخرى ممنوعة أو مسموحاً بها على ضوء هذا المبدأ.
الممتلكات الوطنية (المال العام).
- الأملاك العامة
كل الثروات والأصول التي هي خارج حيازة الأفراد، ولا يمكن أن تكون في حيازتهم، هي ملكية عامة للدولة كي لا تقع بين أيدي الأغنياء وتتكدّس في خزائنهم، وكي تُنفَق لتلبية احتياجات الفئات الاجتماعية التي ليس بمقدورها أن تستقلّ بمواردها عن الآخرين، ويمكن للدولة على هذا النهج أن تفي بالتزامات وواجبات أخرى.
التوثيق والشهود (الكتابة بالعدل).
- التوثيق والشهود (الكتابة بالعدل)
يجب على الأطراف المتعاقدة تحرير وثيقة، والاستعانة بشهادة الشهود على كتابة العقد30 في كلّ أمر يتعلق بالصفقات المالية وتحرير الوصايا وطلبات القروض. وصرف النظر عن هذا الأمر قد يؤدّي أحياناً إلى خلافات غير حميدة، وتكون أحكامها على النحو التالي:
- يجب كتابة وثيقة تتضمن شروط القرض الممنوح إلى أجل مسمَّى (موعد مُحَدّد).
- يقوم كاتب العدل بكتابة الوثيقة بحضور الطرفين المتعاقدين.
ج- تقع مسؤولية كتابة الوثيقة على المقترِض، ويذكر فيها اسم الدائن ومبلغ الدين.
د- إذا كان المقترِض ساذجاً أو واهناً، أو ليس في وضع يؤهّله لكتابة الوثيقة، يتولّى هذه المهمة نيابةً عنه وصيُّه أو محاميه، ويجب أن يَكتب بعدل وأمانة.
هـ- تُحرَّر الوثيقة بشهادة رجلين مسلمين معروفين على علاقة وثيقة بالطرفين المتعاقدين، وأن يكونا صادقَينِ وموثوقَين، وأن يكون كلٌّ منهما ذا شخصية سويّة سليمة.
و- وإذا لم يتوفّر رجلان يحملان هذه الصفات المذكورة ، فيمكن الاستعانة برجل وامرأتين، وذلك لأّن المرأة قد تنفعل أو تنسى بسبب أعبائها المنزلية الثقيلة، فتعمد الثانية إلى تذكيرها وتلافي الثغرات، ما يزيل عن العَقد أي شبهة في مصداقيته.
ز- إذا استُدعِي الشهود للإدلاء بشهادتهم في المحكمة، أو عندَ الضرورة، وجَبَ عليهم تلبية الاستدعاء، وعدم التخلِّف.
ح- إنّ القروض والصفقات اليومية السريعة لا تستوجب الكتابة على النحو الذي تستوجبه المعاملات والصفقات الكبيرة.
ط- ليس من اللائق أن يعمد أحد المتعاقدين إلى إيذاء كاتب العدل أو الشاهد عند نشوء خلاف.
ي- إذا كان المقترِض على سفر، ولم يجد كاتب عدل يحرر وثيقة الدَّين، أمكنه أن يضع في حوزة الدائن كفالةً (رهان مقبوضة) يضمن بها حقّه في ظروف صعبة حتّمت اللجوء إلى الرهن، فإذا زالت الظروف الموجبة للرّهن، أعاده إلى المقترِض لتحرير وثيقة بشهادة الشهود.
ك- إذا أحسّ الشخص بدنوّ أجله، وطلب كتابة وصيّة تتصل بثروته، أشهَدَ عليها مسلمَين اثنين صادقَين موثوقَين.
ل- إذا دنا أجل الشخص وهو مسافر، ولم يجد شاهدين مسلمَين، أمكنه استدعاء شاهدَين من غير دينه كحلٍّ أخير.
م- إذا بدرت عن أحد الشاهدَين المسلمَين بوادر تحيُّز لواحد من الطرفَين المتعاقدَين، وعمد إلى تغيير شهادته، استُبقي كإجراء احتياطي بعد صلاة الجماعة في المسجد، وطُلِبَ إليه أن يحلف بالله أنّه لن يُغيَّر شهادته مقابل أيّ مغنم مادي، حتى لو كان ذلك يصبُّ في مصلحة أقرب الناس إليه. وإن أصرّ على تغيير شهادته، فهو في نظر الله والناس من الآثمين.
ن- على الشاهد أن يدرك أنّ شهادته هي شهادة الله، فإذا أتى بالكذب والبهتان على الناس، فكأنّه كذب على الله.
س- إذا تبيَّن أنَّ الشاهدَين قد أظهرا تحيُّزاً ضدّ أحد الورثة، أو مسَّا حقوقه بما يتناقض مع نصّ وصية الموصي، يقفُ اثنان من الذين تعرّضوا للظلم ويقسمان أنَّهما أصدقُ من الشاهدَين، وأنهما لم يرتكبا أيَّ تجاوز بهذا الصّدد، وإن فعلا ذلك كانا من الظالمين في رأي الله.
ع- ومن المُرجَّح بعد هذا التشديد في مساءلة الشهود ألّا يقوموا بتزوير شهادات بعد الآن خوفاً من رفض الآخرين أَيْمانَهم في معرِض دفاعهم عن أنفسهم إذا وقعوا ضحية لظلم الآخرين.
30. ) ﴿ إذا تداينتم بدَين إلى أجل مُسمَّى فاكتبوه، وليكتب بينكم كاتب بالعدل ﴾ . (البقرة: 282).
توزيع الميراث.
- توزيع الميراث
توزّع ثروة المسلم على ورثته بعد وفاته كما يلي:
تُدفع ديون الميت إلى الدائنين من ميراثه قبل أي خطوة أخرى، ثم بعد ذلك يُدفع الميراث الواقع بوصيّة، ثم يُوّزع الميراث المتبقي على الورثة على النحو المعروف.
لقد فرض الله بعدم الوصية لصالح أيِّ من الورثة (لا وصية لوارث) إلّا إذا كانت ظروف الوارث واحتياجاته وخدماته تستدعي الوصية له.
والأولاد هم ورثة التركة المتبقية بعد توزيع حصص الأبوين والزوجين. فإذا لم يترك الميت من نسله ذكوراً، وكانت له ابنتان أو أكثر فلهنّ ثلثا التركة. وإذا كان له ابنة واحدة فحصّتها هي النصف. وإذا كان نسل الميت كلّه ذكوراً وُزِّع الميراث كلّه بينهم، وإذا كان نسلُه ذكوراً وإناثاً، فإنّ حصة الذّكر الواحد تساوي حصة أنثيين31، ويوزَّع الميراث كلّه في هذه الحالة بينهم جميعاً.
إذا لم يكن للميت أولاد، وُزِّع الميراث بين أشقائه وشقيقاته، وذلك بعد إعطاء الأبوين والزوجة اوالزوج إذاكان موجودا، ما يستحقون من حصصهم، ونسبة الحصص وطريقة توزيعها مطابقة لنسبة توزيع حصص الأولاد التي وضّحناها سابقاً.
إذا كان للمتوفّى أولاد أو لم يكن كذلك، وله أشقاء وشقيقات، فلكلّ واحد من الأبوين السُّدس، وإذا لم يكن له أشقاء وشقيقات، والأبوان هما الوارثان الوحيدان، فللأم الثلث، وللأب الثلثان.
إذا كان المتوفّى رجلاً عنده أولاد، فلزوجته الثُّمن. وإذا لم يكن عنده أولاد، فلزوجته الرُّبع. وإذا كان المتوفّى امرأة وليس عندها أولاد، فلزوجها النصف، أمّا إذا كان عندها أولاد، فلزوجها الرُّبع.
عندما لا يكون للميت أيّ وريث مما ذكرناه للتوّ يمكنه أن يحدّد أيّاً شاءَ وريثاً له، فإن كان هذاالوريث قريباً وله أخ أو أخت واحدة فلهما السدس، ويحصل هو على خمسة الأسداس المتبقية، وإذا كان عنده أكثر من أخ أو أخت فلهما الثلث، وله الثلثان المتبقيّان.
إنّ الأساس الذي بُنيَت عليه طريقة توزيع الميراث هو “منفعة القُربى”، فالسبب في اختلاف حصص الورثة مرتبط بدرجة المنفعة التي يحقّقها كلٌّ منهم للميت. وبما أن نفع البنت ينتقل بعد الزواج إلى زوجها، وتوفِّر له شروط العِشرة الزوجية، بينما يقع على الزوج عبء النفقة الأكبر، إضافة إلى توفير حسن المعاشرة لشريكته، اقتضى ذلك أن يكون حظّ الذكر من الميراث مثل حظّ الأنثيين وفق التعبير القرآني الشهير.
31. ) ﴿ للذكر مثل حظّ الأنثيين ﴾ . (النساء: 11)