مواد پر جائیں

باب 11: التشريع الجزائي

سابعاً- التشريع الجزائي

إنّ الحرية من أكبر النعم التي أسبغها الله على عباده، وهي قيمة ذات وجهين: إيجابي وسلبي، فإذا استُخدِمت استخداماً صحيحاً، كانت مصدر شرف ونعمة. وإذا استُخدمت استخداماً خاطئاً كانت مصدر عارٍ ونقمة، وعادت على المجتمع بالشرور والفوضى. وإذا عدنا إلى أزمنة تاريخية ممعِنة في القِدم، وجدنا أنّ الجريمة الأولى التي اقترفتها يد الإنسان تمثّلت في قتل قابيل أخاه هابيل؛ ومن هنا نشأت الحاجة إلى حماية الإنسان من شرّ الإنسان، فابتدع العقل البشري بوحي إلهي أسلوب العقاب الذي يسعى إلى غايتين: أولاهما القصاص من القاتل قصاصاً عادلاً (الجزاء الوفاق)، وثانيهما ردع الآخرين عن اقتراف إثم مماثل، مما يكفل حرمة النفس ويمنع ارتكاب جرائم جديدة ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ (البقرة: 179). ويجب أن نعلم أن بعض المجرمين يمكنهم أن يفلتوا من عقاب الدنيا، ولكنّهم لن يفلتوا أبداً من عقاب الآخرة. ويشرح الشيخ أمين أحسن إصلاحي كلّ هذه الأمور بالتفصيل، فيذكر أنّ الجرائم التي تعاقب عليها الشريعة هي:

  1. المحاربة والإفساد في الأرض.
  2. القتل والإيذاء.

جـ- السرقة.

د- الزنا.

هـ- القذف.

كانت تلك هي الجرائم التي نصَّ الشرع على عقوباتها تحديداً وسمّاها (الحدود). أمّا الجرائم الأخرى الأقل منها، فقد تُرِك تقديرها إلى السلطة القضائية باستثناء واحد هو عقوبة الإعدام؛ فوفقاً للقرآن، لا يمكن أن تصدر هذه العقوبة إلّا بحقّ شخص قتل شخصاً، أو لشخص مذنب بنشر الفساد والفوضى في المجتمع. وتسمّى عقوبة هذا النوع من الجرائم (التعزير).

ينفّذ حكم القتل – وفق الشريعة القرآنية – بحقّ مَن قتل شخصاً آخر، أو بحقِّ من أفشى الفساد في المجتمع، وهو حكم مُبرَم غير قابل للطعن باللغة القانونية المعاصرة. ومن الواضح أنّ الأحكام المتعلقة بهذه الحدود والتعزيزات لا تخاطب المسلمين بوصفهم أفراداً، بل تخاطبهم بوصفهم أمة واحدة. وبتعبير آخر، فإن أجهزة السلطة وحدها هي المخوّلة بتنفيذ هذه العقوبات. وسنفصّل شرح العقوبات في الفقرة الآتية:

المحاربة والإفساد في الأرض.

1-المحاربة والإفساد في الأرض

إنّ عصيان الناس في زمن النبي أمراً من أوامره، وتمرّدهم على دولته، يُعدُّ خروجاً على طاعة الله ورسوله، وسُمّي ذلك (بالمحاربة). وعلى المنوال ذاته، فإنّ مصطلح (الفساد في الأرض) يعني عصيان فرد أو مجموعة أفراد لقوانين الشريعة الإسلامية (تقويض سلطة القانون) عن طريق الاعتداء على النفس والمال والعِرْض والعقل والدين35. وبالنتيجة، عندما يتحول القتل إلى إرهاب، والزنا إلى اغتصاب، والسرقة إلى سطو وقطع طرقات، وعندما يكرِّس الإنسان نفسه للدعارة، وينغمس في الفِسق والفجور، أو يختلق قوانين وأنظمة هدّامة، ويُرهِب الناس، وينخرط في كل أنواع الخطف… وتتحول كلّ هذه الممارسات الشنيعة إلى مصدر تهديد للناس الشرفاء وللمجتمع نفسه، فإنّ كلَّ ما سبق ذكره ينضوي تحت مسمّى واحد هو (الفساد في الأرض)، وعقوبته كما يلي:

  1. القتل.
  2. الصَّلب.
  3. تقطيع الأرجل والأيدي من خلاف.

4- النفي.

وقد ذكرت الشريعة بعض الشروط المتعلّقة بهذه العقوبات والتي تشكل حدوداً وقيوداً لها:

أولها أن القرآن قد منح الحكومة الإسلامية سلطة مرنة لتنفيذ هذه العقوبات مع مراعاة طبيعة الجريمة وحجمها وظروفها وعواقبها. وتأتي عقوبة النفي الأخف نسبياً مقارنةً بالعقوبتين السابقتين بوصفها طريقة تحذيرية رادعة بحيث يمكن منح الرأفة للمجرم إذا كان يستحقها.

وثانيها إذا ارتكب الجريمةَ مجموعة من المجرمين، نزلت العقوبة عليهم جميعاً.

إذا ارتكبت عصابة جرائم قتل أو سطو أو زنا أو تخريب أو ترهيب ونحوها، فلا داعي للتحقّق ممّن ارتكب هذه الجرائم وتحديد هويته، لأن العصابة كلّها تتحمّل وزر أفعالها، وستُعامَل على هذا الأساس.

وثالثها ألّا تأخذ القانونَ بالمجرمين شفقةٌ أثناء إنزال العقوبة بهم، فقد صبّ الله عليهم نقمته، وكتب عليهم الذلّ كي تكتمل عملية الرّدع والاعتبار.

ورابعها إذا سلّم المجرم نفسه للسلطات المختصة يُخَفَّض توصيف الجريمة وتصنيفها من جريمة فساد في الأرض إلى جريمة عادية.

35. ) مقاصد الشريعة الإسلامية هي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال (المترجم).

القتل والإيذاء.

  1. القتل والإيذاء

فرض الله على الدولة الإسلامية تطبيق القِصاص الذي يضمن للمجتمع الاستمرار والبقاء، لأنّه قانون إلهي لا ينتهكه إلّا مَن ظلم نفسه. وتتولّى الأجهزة الحكومية المختصّة مسؤولية البحث عن المجرم واعتقاله، وإنزال القِصاص به وفقاً للقانون الذي يسري في نطاق حدود دولتها.

ينبغي تحقيق مبدأ المساواة عند إنزال القصاص بالقاتل، فإذا قتل وضيعٌ شريفاً أو العكس، أو إذا قتل غنيٌّ فقيراً أو العكس، فإنّ القِصاص واحد لا يحابي الفروق العرقية والطبقية بين الجاني والمجني عليه.

وإذا لم يطالب وَرَثة القتيل أو الجريح بتطبيق القِصاص وفق مبدأ العين بالعين والسنّ بالسنّ، وأظهروا شيئاً من الرّفق بالجاني، وجب على القاضي منحه عقوبة مُخفَّفَة، واضعاً في اعتباره نوع الجريمة وحجمها وظروفها، وهذا كلُّه فضلٌ من الله، فقد تكون شفقة ولي القتيل على القاتل سبباً في التكفير عن ذنوبه، ويُمنح ولي القتيل أو الجريح في هذه الحالة الديّة التي أمر الله بدفعها عن طيب خاطر وفقاً لأعراف المجتمع.

إذا ارتكب شخص ما جريمة قتل من غير قصد، وكان القتيل مسلماً مواطناً في دولة مسلمة أو دولة غير إسلامية معاهِدة، فمن الضروري أن يدفع الجاني ديّة المجني عليه إذا امتنع ولي القتيل عن مسامحته، وفقاً لأعراف المجتمع، وأن يتوب إلى الله للتكفير عن ذنبه، وأن يعتق رقبةً مسلمة، أمّا إذا كان القتيل مسلماً ينتمي إلى دولة معادية، فليس على المجرم في هذه الحالة أن يدفع الديّة، بل يكتفي فقط بتحرير رقبة مسلمة للتكفير عن ذنبه، وإن لم يكن ثمّة عبد، فصيام شهرين.

الزّنا.

  1. الزّنا

إذا أثبتت المحكمة ارتكاب واقعة الزّنا، يُجلَد الزاني والزانية مئة جلدة أمام جمع من الناس بشكل علني بغرض إذلالهما أمام الناس، وجعلهما موضع عبرة للآخرين. ويحثّ القرآن حكومة المسلمين والمحكمة المختصة بهذا الأمر على الشدّة والقسوة في تطبيق هذا الحد. وبعد تنفيذ هذه العقوبة يُحرّم على كلّ رجل عفيف وامرأة عفيفة الزواج ممّن ارتكب فاحشة الزّنا، فقد حرّم الله مثل هذه التزوجات. ويُطبّق هذا الحدّ في شكله المُطلَق عند اكتمال شروطه، ولا يستحق المجرم أيّ تساهل مهما كانت الظروف. ويُستثنى من هذه العقوبة من كان غير قادر على تحمّلها، وأجبرته الظروف على الزنا، وكان محروماً من البيئة والحماية اللازمة للامتناع عن ارتكاب هذه الجريمة.

القذف.

  1. القذف

للقذف شكلان: أولهما هو اتهام رجل عفيف أو امرأة عفيفة بالزّنا، وثانيهما تبادل الزوج والزوجة تهمة ارتكاب واقعة الزّنا، وتنصّ الشريعة الإسلامية في الحالة الأولى على إثبات الواقعة بأربعة شهود عاينوا تفاصيلها ورأوا أحداثها رؤية المِرود وهو يدخل في المكحلة، وإلّا فهو مُدان بالقذف، ويُعاقَب بثمانين جلدةً، ولا تُقبَل شهادته في المستقبل. ويرى القرآن أنّ هؤلاء المجرمين آثمون عند الله إذا لم يتولّوا ويُصلِحوا أنفسهم.

أمّا في الحالة الثانية، فعلى الزوج إن لم يجد شهوداً أن يُقسِم أربع مراتٍ على أنّه صادق، ويقسم في المرة الخامسة قائلاً: لعنة الله عليّ إن كنت كاذباً. وإذا لم تدافع الزوجة عن نفسها بأيّة طريقة، تُنزل بها عقوبة الزّنا، أما إذا دحضَت الادّعاءات، فتبرّأ من العقوبة بعد أن تقسِم بالله أربع مرات على كذب خصمها، وتقول في المرة الخامسة: لِيحلّ غضب الله عليّ إذا كان يقول الحقيقة. ويُتّخذ الإجراءُ ذاتُه إذا وجهّت الزوجة التهمة ذاتَها إلى زوجها.

السرقة.

  1. السّرقة

شُرِّعَت عقوبة قطع يدي السارق والسارقة من المعصم (الرّسغ)، إذ تقوم السلطة المختصّة بعد إثبات الجريمة بقطع يد السارق ويد السارقة من المكان الذي ذكرناه قبل قليل دون شفقة أو تساهل وفق شكل الجريمة وظروف ارتكابها.